فخر الدين الرازي
72
تفسير الرازي
السرة وفوق الركبة ، فنقول : إن فسرنا المحيض بموضع الحيض على ما اخترناه كانت الآية دالة على تحريم الجماع فقط ، فلا يكون فيها دلالة على تحريم ما وراءه ، بل من يقول : إن تخصيص الشيء بالذكر يدل على أن الحكم فيما عداه بخلافه ، يقول إن هذه الآية تدل على حل ما سوى الجماع ، أما من يفسر المحيض بالحيض ، كان تقدير الآية عنده فاعتزلوا النساء في زمان الحيض ، ثم يقول ترك العمل بهذه الآية فيما فوق السرة ودون الركبة ، فوجب أن يبقى الباقي على الحرمة وبالله التوفيق . أما قوله تعالى : * ( ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمرهم الله ) * فاعلم أن قوله : * ( ولا تقربوهن ) * أي ولا تجامعوهن ، يقال قرب الرجل امرأته إذا جامعها ، وهذا كالتأكيد لقوله تعالى : * ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) * ويمكن أيضاً حملها على فائدة جليلة جديدة وهي أن يكون قوله : * ( فاعتزلوا النساء في المحيض ) * نهياً عن المباشرة في موضع الدم وقوله : * ( ولا تقربوهن ) * يكون نهياً عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، ويعقوب الحضرمي ، وأبو بكر عن عاصم ( حتى يطهرن ) خفيفة من الطهارة ، وقرأ حمزة والكسائي * ( يطهرن ) * بالتشديد ، وكذلك حفص عن عاصم ، فمن خفف فهو زوال الدم لأن يطهرن من طهرت امرأة من حيضها ، وذلك إذا انقطع الحيض ، فالمعنى : لا تقربون حتى يزول عنهم الدم ، ومن قرأ : * ( يطهرن ) * بالتشديد فهو على معنى يتطهرن فأدغم كقوله : * ( يا أيها المزمل ) * ( المزمل : 1 ) ، ويا أيها المدثر ) * ( المدثر : 1 ) أي المتزمل والمتدثر وبالله التوفيق . المسألة الثانية : أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل للزوج مجامعتها إلا بعد أن تغتسل من الحيض ، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري ، والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها ، وإن رأته لعشرة أيام جاز أن يقربها قبل الاغتسال ، حجة الشافعي من وجهين . الحجة الأولى : أن القراءة المتواترة ، حجة بالإجماع ، فإذا حصلت قراءتان متواترتان وأمكن الجمع بينهما ، وجب الجمع بينهما . إذا ثبت هذا فنقول : قرىء * ( حتى يطهرن ) * بالتخفيف وبالتثقيل * ( ويطهرن ) * بالتخفيف عبارة عن انقطاع الدم ، وبالتثقيل عبارة عن التطهر بالماء والجمع بين الأمرين ممكن ، وجب دلالة هذه الآية على وجوب الأمرين ، وإذا كان وجب أن لا تنتهي هذه الحرمة إلا عند حصول الأمرين .