فخر الدين الرازي
65
تفسير الرازي
وجوابه : أنهم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها : أنهم يدعون إلى ما يؤدي إلى النار ، فإن الظاهر أن الزوجية مظنة الألفة والمحبة والمودة ، وكل ذلك يوجب الموافقة في المطالب والأغراض ، وربما يؤدي ذلك إلى انتقال المسلم عن الإسلام بسبب موافقة حبيبه . فإن قيل : احتمال المحبة حاصل من الجانبين ، فكما يحتمل أن يصير المسلم كافراً بسبب الألفة والمحبة ، يحتمل أيضاً أن يصير الكافر مسلماً بسبب الألفة والمحبة ، وإذا تعارض الإحتمالان وجب أن يتساقطا ، فيبقى أصل الجواز . قلنا : إن الرجحان لهذا الجانب لأن بتقدير أن ينتقل الكافر عن كفره يستوجب المسلم به مزيد ثواب ودرجة ، وبتقدير أن ينتقل المسلم عن إسلامه يستوجب العقوبة العظيمة ، والإقدام على هذا العمل دائر بين أن يلحقه مزيد نفع ، وبين أن يلحقه ضرر عظيم ، وفي مثل هذه الصورة يجب الاحتراز عن الضرر ، فلهذا السبب رجح الله تعالى جانب المنع على جانب الإطلاق . التأويل الثاني : أن في الناس من حمل قوله : * ( أولئك يدعون إلى النار ) * أنهم يدعون إلى ترك المحاربة والقتال ، وفي تركهما وجوب استحقاق النار والعذاب وغرض هذا القائل من هذا التأويل أن يجعل هذا فرقاً بين الذمية وبين غيرها ، فإن الذمية لا تحمل زوجها على المقاتلة فظهر الفرق . التأويل الثالث : أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيصير الولد من أهل النار ، فهذا هو الدعوة إلى النار * ( والله يدعو إلى الجنة ) * حيث أمرنا بتزويج المسلمة حتى يكون الولد مسلماً من أهل الجنة . أما قوله تعالى : * ( والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ) * ففيه قولان : القول الأول : أن المعنى وأولياء الله يدعون إلى الجنة ، فكأنه قيل : أعداء الله يدعون إلى النار وأولياء الله يدعون إلى الجنة والمغفرة فلا جرم يجب على العاقل أن لا يدور حول المشركات اللواتي هن أعداء الله تعالى ، وأن ينكح المؤمنات فإنهن يدعون إلى الجنة والمغفرة والثاني : أنه سبحانه لما بين هذه الأحكام وأباح بعضها وحرم بعضها ، قال : * ( والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة ) * لأن من تمسك بها استحق الجنة والمغفرة . أما قوله : * ( بإذنه ) * فالمعنى بتيسير الله وتوفيقه للعمل الذي يستحق به الجنة والمغفرة ، ونظيره قوله : * ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ) * ( يونس : 100 ) وقوله : * ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) * ( آل عمران : 145 ) وقوله : * ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) * ( البقرة : 102 ) وقرأ الحسن * ( والمغفرة بإذنه ) * بالرفع أي والمغفرة حاصلة بتيسيره .