فخر الدين الرازي

63

تفسير الرازي

وهذا بخلاف الآيتين في الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، لأن كل واحدة من تينك الآيتين أخص من الأخرى من وجه وأعم من وجه آخر ، فلم يحصل سبب الترجيح فيه . أما قوله ههنا : * ( والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ) * ( المائدة : 5 ) أخص من قوله : * ( ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ) * مطلقاً ، فوجب حصول الترجيح . وأما التمسك بقوله تعالى : * ( فقد حبط عمله ) * ( المائدة : 5 ) . فجوابه : أنا لما فرقنا بين الكتابية وبين المرتدة في أحكام كثيرة ، فلم لا يجوز الفرق بينهما أيضاً في هذا الحكم ؟ . وأما التمسك بأثر عمر فقد نقلنا عنه أنه قال : ليس بحرام ، وإذا حصل التعارض سقط الاستدلال والله أعلم . المسألة الخامسة : اتفق الكل على أن المراد من قوله : * ( حتى يؤمن ) * الإقرار بالشهادة والتزام أحكام الإسلام ، وعند هذا احتجت الكرامية بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار وقالوا إن الله تعالى جعل الإيمان ههنا غاية التحريم والذي هو غاية التحريم ههنا الإقرار ، فثبت أن الإيمان في عرف الشرع عبارة عن الإقرار ، واحتج أصحابنا على فساد هذا المذهب بوجوه : أحدها : أنا بينا بالدلائل الكثيرة في تفسير قوله : * ( الذين يؤمنون بالغيب ) * ( البقرة : 3 ) أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وثانيها : قوله تعالى : * ( ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنون ) * ( البقرة : 11 ) ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإفراد لكان قوله تعالى : * ( ما هم بمؤمنين ) * كذباً وثالثها : قوله : * ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ) * ( الحجرات : 14 ) ولو كان الإيمان عبارة عن مجرد الإقرار لكان قوله : * ( قل لم تؤمنوا ) * كذباً ، ثم أجابوا عن تمسكهم بهذه الآية بأن التصديق الذي في القلب لا يمكن الاطلاع عليه فأقيم الإقرار باللسان مقام التصديق بالقلب . المسألة السادسة : نقل عن الحسن أنه قال : هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من تزويج المشركات قال القاضي : كونهم قبل نزول هذه الآية مقدمين على نكاح المشركات إن كان على سبيل العادة لا من قبل الشرع امتنع وصف هذه الآية بأنها ناسخة ، لأنه ثبت في أصول الفقه أن الناسخ والمنسوخ يجب أن يكون حكمين شرعيين ، أما إن كان جواز نكاح المشركة قبل نزول هذه الآية ثابتاً من قبل الشرع كانت هذه الآية ناسخة . أما قوله تعالى : * ( ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال أبو مسلم : اللام في قوله : * ( ولأمة ) * في إفادة التوكيد تشبه لام القسم .