فخر الدين الرازي
56
تفسير الرازي
أحد يراعيها فكأنه تعالى قال : لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه ، وقيل : والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله ، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئاً من غير إصلاح منكم لمالهم . أما قوله تعالى : * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : " الإعنات " الحمل على مشقة لا تطاق يقال : أعنت فلان فلاناً إذا أوقعه فيما لا يستطيع الخروج منه وتعنته تعنتاً إذا لبس عليه في سؤاله ، وعنت العظم المجبور إذا انكسر بعد الجبر وأصل * ( العنت ) * من المشقة ، وأكمة عنوت إذا كانت شاقة كدوداً ، ومنه قوله تعالى : * ( عزيز عليه ما عنتم ) * ( التوبة : 128 ) أي شديد عليه ما شق عليكم ، ويقال أعنتني في السؤال أي شدد علي وطلب عنتي وهو الإضرار وأما المفسرون فقال ابن عباس : لو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقاً وقال عطاء : ولو شاء الله لأدخل عليكم المشقة كما أدخلتم على أنفسكم ولضيق الأمر عليكم في مخالطتهم ، وقال الزجاج : ولو شاء الله لكلفكم ما يشتد عليكم . المسألة الثانية : احتج الجبائي بهذه الآية ، فقال : إنها تدل على أنه تعالى لم يكلف العبد بما لا يقدر عليه ، لأن قوله : * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * يدل على أنه تعالى لم يفعل الإعنات والضيق في التكليف ، ولو كان مكلفاً بما لا يقدر العبد عليه لكان قد تجاوز حد الإعنات وحد الضيق . واعلم أن وجه هذا الاستدلال أن كلمة * ( لو ) * تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، ثم سألوا أنفسهم بأن هذه الآية وردت في حق اليتيم ، وأجابوا عنه بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأيضاً فولى هذا اليتيم قد لا يفعل تعالى فيه قدرة الإصلاح ، لأن هذا هو قولهم فيمن يختار خلاف الإصلاح وإذا كان كذلك فكيف يجوز أن يقول تعالى فيه خاصة * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * مع أنه كلفه بما لا يقدر عليه ، ولا سبيل له إلى فعله ، وأيضاً فالإعنات لا يصح إلا فيمن يتمكن من الشيء فيشق عليه ويضيق ، فأما من لا يتمكن البتة فذلك لا يصح فيه ، وعند الخصم الولي إذا اختار الصلاح فإنه لا يمكنه فعل الفساد ، وإذا لم يقدر على الفساد لا يصح أن يقال فيه * ( ولو شاء الله لأعنتكم ) * . والجواب عنه : المعارضة بمسألة العلم والداعي والله أعلم . المسألة الثالثة : احتج الكعبي بهذه الآية على أنه تعالى قادر على خلاف العدل ، لأنه لو امتنع