فخر الدين الرازي
34
تفسير الرازي
عطف على * ( سبيل الله ) * قالوا : وهو متأكد بقوله تعالى : * ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ) * ( الحج : 25 ) . واعترضوا على الوجه الأول بأنه لا يجوز العطف على الضمير ، فإنه لا يقال : مررت به وعمرو ، وعلى الثاني بأن على هذا الوجه يكون تقدير الآية : صد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام ، فقوله : * ( عن المسجد الحرام ) * ( المائدة : 2 ) صلة للصد ، والصلة والموصول في حكم الشيء الواحد ، فإيقاع الأجنبي بينهما لا يكون جائزاً . أجيب عن الأول : لم لا يجوز إضمار حرف الجر فيه حتى يكون التقدير : وكفر به وبالمسجد الحرام ، والإضمار في كلام الله ليس بغريب ، ثم يتأكد هذا بقراءة حمزة * ( تساءلون به والأرحام ) * ( النساء : 1 ) على سبيل الخفض ولو أن حمزة روى هذه اللغة لكان مقبولاً بالاتفاق ، فإذا قرأ به في كتاب الله تعالى كان أولى أن يكون مقبولاً ، وأما الأكثرون الذين اختاروا القول الثاني قالوا : لا شك أنه يقتضي وقوع الأجنبي بين الصلة والموصول ، والأصل أنه لا يجوز إلا أنا تحملناه ههنا لوجهين الأول : أن الصد عن سبيل الله والكفر به كالشئ الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل الثاني : أن موضع قوله : * ( وكفر به ) * عقيب قوله : * ( والمسجد الحرام ) * إلا أنه قدم عليه لفرط العناية ، كقوله تعالى : * ( ولم يكن له كفواً أحداً ) * كان من حق الكلام أن يقال : ولم يكن له أحد كفواً إلا أن فرط العناية أوجب تقديمه فكذا ههنا . الوجه الثاني : في هذه الآية ، وهو اختيار الفراء وأبي مسلم الأصفهاني أن قوله تعالى : * ( والمسجد الحرام ) * عطف بالواو على الشهر الحرام ، والتقدير : يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام ، ثم بعد هذا طريقان أحدهما : أن قوله : * ( قتال فيه ) * مبتدأ ، وقوله : * ( كبير وصد عن سبيل الله وكفر به ) * خبر بعد خبر ، والتقدير : إن قتلاً فيه محكوم عليه بأنه كبير وبأنه صد عن سبيل الله ، وبأنه كفر بالله . والطريق الثاني : أن يكون قوله : * ( قتال فيه كبير ) * جملة مبتدأ وخبر ، وأما قوله : * ( وصد عن سبيل الله ) * فهو مرفوع بالابتداء ، وكذا قوله : * ( وكفر به ) * والخبر محذوف لدلالة ما تقدم عليه ، والتقدير : قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله كبير وكفر به كبير ، ونظيره قولك : زيد منطلق وعمرو ، تقديره : وعمرو منطلق ، طعن البصريون في هذا الجواب فقالوا : أما قولكم تقدير الآية : يسألونك عن قتال في المسجد الحرام فهو ضعيف لأن السؤال كان واقعاً عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام ، وطعنوا في الوجه الأول بأنه يقتضي أن يكون