فخر الدين الرازي

32

تفسير الرازي

عليه وسلم ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منها * ( يسألونك عن الشهر الحرام ) * . والقول الثاني : أن هذا السؤال كان من الكفار قالوا : سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن القتال في الشهر الحرام حتى لو أخبرهم بأنه حلال فتكوا به واستحلوا قتاله فيه فأنزل الله تعالى هذه الآية : * ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) * أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام * ( قل قتال فيه كبير ) * ولكن الصد عن سبيل الله وعن المسجد الحرام والكفر به أكبر من ذلك القتال * ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ) * فبين تعالى أن غرضهم من هذا السؤال أن يقاتلوا المسلمين ثم أنزل الله تعالى بعده قوله : * ( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 194 ) فصرح في هذه الآية بأن القتال على سبيل الدفع جائز . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( قتال فيه ) * خفض على البدل من الشهر الحرام ، وهذا يسمى بدل الاشتمال ، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله ، وسلب زيد ثوابه ، قال تعالى : * ( قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود ) * ( البروج : 4 ، 5 ) وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه ، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع ، ونظيره قوله تعالى : * ( للذين ( الأعراف : 75 ) استضعفوا لمن آمن منهم ) * وقرأ عكرمة * ( قتل فيه ) * . أما قوله تعالى : * ( قل قتال فيه كبير ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : * ( قتال فيه ) * مبتدأ و * ( كبير ) * خبره ، وقوله : * ( قتال ) * وإن كان نكرة إلا أنه تخصص بقوله : * ( فيه ) * فحسن جعله مبتدأ والمراد من قوله : * ( كبير ) * أي عظيم مستنكر كما يسمى الذنب العظيم كبيرة قال تعالى : * ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم ) * ( الكهف : 5 ) . فإن قيل : لم نكر القتال في قوله تعالى : * ( قتال فيه ) * ومن حق النكرة إذا تكررت أن تجيء باللام حتى يكون المذكور الثاني هو الأول ، لأنه لو لم يكن كذلك كان المذكور الثاني غير الأول كما في قوله تعالى : * ( إن مع العسر يسراً ) * ( الشرح : 6 ) . قلنا : نعم ما ذكرتم أن اللفظ إذا تكرر وكانا نكرتين كان المراد بالثاني إذن غير الأول والقوم أرادوا بقولهم : * ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) * ذلك القتال المعين الذي أقدم عليه عبد الله بن جحش ، فقال تعالى : * ( قل قتال فيه كبير ) * وفيه تنبيه على أن القتال الذي يكون كبيراً ليس هو هذا القتال الذي سألتم عنه ، بل هو قتال آخر لأن هذا القتال كان الغرض به نصرة الإسلام وإذلال الفكر فكيف يكون هذا من الكبائر ، إنما القتال الكبير هو الذي يكون