فخر الدين الرازي

24

تفسير الرازي

لأن من عادة القرآن أن يكون بيان التوحيد وبيان الوعظ والنصيحة وبيان الأحكام مختلطاً بعضها بالبعض ، ليكون كل واحد منها مقوياً للآخر ومؤكداً له . الحكم الأول فيما يتعلق بالنفقة هو هذه الآية وفيه مسائل المسألة الأولى : قال عطاء : عن ابن عباس نزلت هذه الآية في رجل أتى للنبي عليه الصلاة والسلام فقال إن لي ديناراً فقال : أنفقه على نفسك قال : إن لي دينارين قال : أنفقهما على أهلك قال : إن لي ثلاثة قال : أنفقها على خادمك قال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك قال : إن لي خمسه قال : أنفقها على قرابتك قال إن لي ستة قال : أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها : وروى الكلبي عن ابن عباس أن الآية نزلت عن عمرو بن الجموح وكان شيخاً كبيراً هرماً ، وهو الذي قتل يوم أحد وعنده مال عظيم ، فقال : ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت هذه الآية . المسألة الثانية : للنحويين في * ( ماذا ) * قولان أحدهما : أن يجعل * ( ما ) * مع * ( ذا ) * بمنزلة اسم واحد ويكون الموضع نصباً بينفقون ، والدليل عليه أن العرب يقولون : عماذا تسأل ؟ بإثبات الألف في * ( ما ) * فلولا أن * ( ما ) * مع * ( ذا ) * بمنزلة اسم واحد لقالوا : عماذا تسأل ؟ بحذف الألف كما حذفوها من قوله تعالى : * ( عم يتساءلون ) * ( النبأ : 1 ) وقوله : * ( فيم أنت من ذكراها ) * ( النازعات : 43 ) فلما لم يحذفوا الألف من آخر * ( ما ) * علمت أنه مع * ( ذا ) * بمنزلة اسم واحد ولم يحذفوا الألف منه لما لم يكن آخر الاسم والحذف يلحقها إذا كان آخراً إلا أن يكون في شعر كقوله : غلاماً قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرغ في رماد والقول الثاني : أن يجعل * ( ذا ) * بمعنى الذي ويكون * ( ما ) * رفعاً بالابتداء خبرها * ( ذا ) * والعرب قد يستعملون * ( ذا ) * بمعنى الذي ، فيقولون : من ذا يقول ذاك ؟ أي من ذا الذي يقول ذاك ، فعلى هذ يكون تقدير الآية : يسألونك ما الذي ينفقون . المسألة الثالثة : في الآية سؤال ، وهو أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم ، فكيف أجابهم بهذا ؟ . والجواب عنه من وجوه أحدها : أنه حصل في الآية ما يكون جواباً عن السؤال وضم إليه زيادة بها يكمل ذلك المقصود ، وذلك لأن قوله : * ( ما أنفقتم من خير ) * جواب عن السؤال ، ثم إن ذلك الإنفاق لا يكمل إلا إذا كان مصروفاً إلى جهة الاستحقاق ، فلهذا لما ذكر الله تعالى الجواب أردفه بذكر المصرف تكميلاً للبيان وثانيها : قال القفال : إنه وإن كان السؤال وارداً