فخر الدين الرازي
220
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( يا أَيُّهَا الَذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ واَلْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) * . اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال ، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق ، وأيضاً فيه وجه آخر ، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله : * ( وقاتلوا في سبيل الله ) * ثم أعقبه بقوله : * ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ) * ( البقرة : 245 ) والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد ، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد ، وهو قوله : * ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا ) * . إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل : المسألة الأولى : المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً بقوله : * ( أنفقوا مما رزقناكم ) * فنقول : الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقاً بالإجماع أما ما كان حراماً فإنه لا يجوز إنفاقه ، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراماً ، والأصحاب قالوا : ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً حلالاً . المسألة الثانية : اختلفوا في أن قوله : * ( أنفقوا ) * مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة ، فقال الحسن : هذا الأمر مختص بالزكاة ، قال لأن قوله : * ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ) * كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون : هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب ، وليس في الآية وعيد ، فكأنه قيل : حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا ، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث : أن المراد منه الإنفاق في الجهاد : والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد ، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد ، وهذا قول الأصم . المسألة الثالثة : قرأ ابن كثير وأبو عمرو * ( لا بيع ، ولا خلة ، ولا شفاعة ) * بالنصب ، وفي سورة إبراهيم عليه السلام * ( لا بيع فيه ولا خلال ) * ( إبراهيم : 31 ) وفي الطور * ( لا لغو فيها ولا تأثيم ) * ( الطور : 23 ) والباقون جميعاً بالرفع ، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله : * ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ) * ( البقرة : 197 ) .