فخر الدين الرازي

214

تفسير الرازي

الملائكة بسجود آدم تأديباً ، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريباً والثاني : أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة ، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة الثالث : أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة ، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين والرابع : أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم . فإن قيل : إنه تعالى خص آدم بالعلم ، فقال : * ( وعلم آدم الأسماء كلها ) * ( البقرة : 31 ) وأما محمد عليه السلام فقال في حقه : * ( ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) * ( الشورى : 52 ) وقال : * ( ووجدك ضالاً فهدى ) * ( الضحى : 7 ) وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى ، قال : * ( وعلم آدم الأسماء ) * ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله : * ( علمه شديد القوى ) * ( النجم : 5 ) . والجواب : أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم : * ( وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً ) * ( النساء : 113 ) وقال عليه السلام : " أدبني ربي فأحسن تأديبي " وقال تعالى : * ( الرحمن علم القرآن ) * ( الرحمن : 2 ) وكان عليه السلام يقول : ( أرنا الأشياء كما هي ) وقال تعالى لمحمد عليه السلام : * ( وقل رب زدني علماً ) * ( طه : 114 ) وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى : * ( علمه شديد القوى ) * فذاك بحسب التلقين ، وأما التعليم فمن الله تعالى ، كما أنه تعالى قال : * ( قل يتوفاكم ملك الموت ) * ( السجدة : 11 ) ثم قال تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) * ( الزمر : 42 ) . فإن قيل : قال نوح عليه السلام * ( وما أنا بطارد المؤمنين ) * ( الشعراء : 114 ) وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام : * ( ولا تطرد الذين يدعون ربهم ) * ( الأنعام : 52 ) وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن . قلنا : إنه تعالى قال : * ( إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ) * ( نوح : 1 ) فكان أول أمره العذاب ، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه : * ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) * ( الأنبياء : 107 ) ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) إلى قوله : * ( رؤوف رحيم ) * فكان عاقبة نوح أن قال : * ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ) * ( نوح : 26 ) وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة * ( عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً ) * ( الإسراء : 79 ) وأما سائر المعجزات فقد ذكر في " كتب دلائل النبوة " في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه ، والله أعلم . وأما قوله تعالى : * ( منهم من كل الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : المراد منه من كلمه الله تعالى ، والهاء تحذف كثيراً كقوله تعالى : * ( وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ) * ( الزخرف : 71 ) .