فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
الفعل الذي حصل قبل * ( حتى ) * والذي حصل بعدها قد وجدا ومضيا ، تقول : سرت حتى أدخلها ، أي إلى أن أدخلها ، فالسير والدخول قد وجدا مضياً ، وعليه النصب في هذه الآية ، لأن التقدير : وزلزلوا إلى أن يقول الرسول ، والزلزلة والقول قد وجدا والثاني : أن تكون بمعنى : كي ، كقوله : أطعت الله حتى أدخل الجنة ، أي كي أدخل الجنة ، والطاعة قد وجدت والدخول لم يوجد ، ونصب الآية لا يمكن أن يكون على هذا الوجه ، وأما الرفع فاعلم أن الفعل الواقع بعد * ( حتى ) * لا بد وأن يكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت ، كما حكيت الحال في قوله : * ( هذا من شيعته وهذا من عدوه ) * ( القصص : 15 ) وفي قوله : * ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ) * ( الكهف : 18 ) لأن هذا لا يصح إلا على سبيل أن في ذلك الوقت كان يقال هذا الكلام ، ويقال : شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنة ، والمعنى شربت حتى إن من حضر هناك يقال : يجيء البعير يجر بطنه ، ثم هذا قد يصدق عند انقضاء السبب وحده دون المسبب ، كقولك : سرت حتى أدخل البلد . فيحتمل أن السير والدخول قد وجدا وحصلا ، ويحتمل أن يكون قد وجد السير والدخول بعد لم يوجد ، فهذا هو الكلام في تقرير وجه النصب ووجه الرفع ، واعلم أن الأكثرين اختاروا النصب لأن قراءة الرفع لا تصح إلا إذا جعلنا الكلام حكاية عمن يخبر عنها حال وقوعها ، وقراءة النصب لا تحتاج إلى هذا الفرض فلا جرم كانت قراءة النصب أولى . المسألة الخامسة : في الآية إشكال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد * ( متى نصر الله ) * . والجواب عنه من وجوه أحدها : أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، قال تعالى : * ( ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون ) * ( الحجر : 97 ) وقال تعالى : * ( لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين ) * ( الشعراء : 3 ) وقال تعالى : * ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي ) * ( يوسف : 110 ) وعلى هذا فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته ، وكان قد سمع من الله تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له الوقت في ذلك ، قال عند ضيق قلبه : * ( متى نصر الله ) * حتى إنه إن علم قرب الوقت زال همه وغمه وطالب قلبه ، والذي يدل على صحة ذلك أنه قال في الجواب : * ( ألا إن نصر الله قريب ) * فلما كان الجواب بذكر القرب دل على أن السؤال كان واقعاً عن القرب ، ولو كان السؤال وقع عن أنه هل يوجد النصر أم لا ؟ لما كان هذا الجواب مطابقاً لذلك السؤال ، وهذا هو الجواب المعتمد . والجواب الثاني : أنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكر كلامين أحدهما : * ( متى نصر الله ) * والثاني : * ( ألا إن نصر الله قريب ) * فوجب إسناد كل واحد من هذين الكلامين