فخر الدين الرازي

3

تفسير الرازي

صرتم مستحقين للتهديد بقوله : * ( فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) * ( البقرة : 209 ) ثم بين ذلك التهديد بقوله : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) * ( البقرة : 210 ) ثم ثلث ذلك التهديد بقوله : * ( سل بني إسرائيل ) * يعني سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها ، لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى ، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه ، والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم ، كما قال تعالى : * ( فاعتبروا يا أولى الأبصار ) * ( الحشر : 2 ) وقال : * ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) * ( يوسف : 111 ) فهذا بيان وجه النظم . المسألة الثالثة : فرق أبو عمرو في * ( سل ) * بين الاتصال بواو وفاء وبين الاستئناف ، فقرأ * ( سلهم ) * و * ( سل بني إسرائيل ) * بغير همزة * ( واسأل القرية ) * ( يوسف : 82 ) فاسأل الذين يقرؤن الكتاب ، * ( واسألوا الله من فضله ) * ( النساء : 32 ) بالهمز ، وسوى الكسائي بين الكل ، وقرأ الكل بغير همز وجه الفرق أن التخفيف في الاستئناف وصلة إلى أسقاط الهمزة المبتدأة وهي مستقلة وليس كذلك في الاتصال والكسائي اتبع المصحف ، لأن الألف ساقطة فيها أجمع . المسألة الرابعة : قوله : * ( من آية بينة ) * فيه قولان أحدها : المراد به معجزات موسى عليه السلام ، نحو فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، ونتق الجبل ، وتكليم الله تعالى لموسى عليه السلام من السحاب ، وإنزال التوراة عليهم ، وتبيين الهدى من الكفر لهم ، فكل ذلك آيات بينات . والقول الثاني : أن المعنى ؛ كم آتيناهم من حجة بينة لمحمد عليه الصلاة والسلام ، يعلم بها صدقه وصحة شريعته . أما قوله تعالى : * ( ومن يبدل نعمة الله ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قرىء * ( ومن يبدل ) * بالتخفيف . المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف ، والتقدير : كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : * ( ومن يبدل نعمة الله ) * . المسألة الثالثة : في نعمة الله ههنا قولان أحدهما : أن المراد آياته ودلائله وهي من أجل أقسام نعم الله لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة ، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان فمن قال المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالاتهم كقوله : * ( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) * ( التوبة : 125 )