فخر الدين الرازي

191

تفسير الرازي

وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشئ من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم . أما قوله : * ( آل موسى وآل هارون ) * ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري : " لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود " وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام . والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى : * ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) * ( غافر : 46 ) . وأما قوله : * ( تحمله الملائكة ) * فقد تقدم القول فيه . وأما قوله : * ( إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) * فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي . قوله تعالى : * ( فلما فصل طالوت بالجنود ) * فيه مسائل . المسألة الأولى : اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام ، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له ، وأجابوا إلى المسير تحت رايته . فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه ، ومعنى الفصل القطع ، يقال : قول فصل ، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلاً وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالاً ، ويقال للفطام فصال ، لأنه يقطع عن الرضاع ، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه ، ومنه قوله : * ( ولما فصلت العير ) * ( يوسف : 94 ) قال صاحب " الكشاف " قوله : فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه ، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة ، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " الأرواح جنود مجندة " . المسألة الثانية : روي أن طالوت قال لقومه : لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناءً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة ، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ