فخر الدين الرازي
161
تفسير الرازي
هي صلاة الظهر كانت تقام في الهاجرة الثامن : روي في الأحاديث الصحيحة أن أول إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم كانت في صلاة الظهر ، فدل هذا على أنها أشرف الصلوات ، فكان صرف التأكيد إليها أولى التاسع : أن صلاة الجمعة هي أشرف الصلوات ، وهي صلاة الظهر ، فصرف المبالغة إليها أولى . القول الخامس : قول من قال : إنها صلاة العصر ، وهو من الصحابة مروي عن علي عليه السلام وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، ومن الفقهاء : النخعي ، وقتادة ، والضحاك ، وهو مروي عن أبي حنيفة ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : ما روي عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً " وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم وسائر الأئمة ، وهو عظيم الوقع في المسألة ، وفي صحيح مسلم : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر " ومن الفقهاء من أجاب عنه فقال : العصر وسط ، ولكن ليس هي المذكورة في القرآن ، فههنا صلاتان وسطيان الصبح والعصر ، وأحدهما ثبت بالقرآن والآخر بالسنة ، كما أن الحرم حرمان : حرم مكة بالقرآن ، وحرم المدينة بالسنة ، وهذا الجواب متكلف جداً الثاني : قالوا روي في صلاة العصر من التأكيد ما لم يرو في غيرها قال عليه الصلاة والسلام : " من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " وأيضاً أقسم الله تعالى بها فقال : * ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) * ( العصر : 1 ، 2 ) فدل على أنها أحب الساعات إلى الله تعالى الثالث : أن العصر بالتأكيد أولى من حيث إن المحافظة على سائر أوقات الصلاة أخف وأسهل من المحافظة على صلاة العصر ، والسبب فيه أمران أحدهما : أن وقت صلاة العصر أخفى الأوقات ، لأن دخول صلاة الفجر بطلوع الفجر المستطير ضوؤه ، ودخول الظهر بظهور الزوال ، ودخول المغرب بغروب القرص ودخول العشاء بغروب الشفق ، أما صلاة العصر فلا يظهر دخول وقتها إلا بنظر دقيق وتأمل عظيم في حال الظل ، فلما كانت معرفته أشق لا جرم كانت الفضيلة فيها أكثر الثاني : أن أكثر الناس عند العصر يكونون مشتغلين بالمهمات ، فكان الإقبال على الصلاة أشق ، فكان صرف التأكيد إلى هذه الصلاة أولى . الحجة الرابعة : في أن الوسطى هي العصر أشبه بالصلاة الوسطى لوجوه أحدها : أنها متوسطة بين صلاة هي شفع ، وبين صلاة هي وتر ، أما الشفع فالظهر ، وأما الوتر فالمغرب ، إلا أن العشاء أيضاً كذلك ، لأن قبلها المغرب وهي وتر ، وبعدها الصبح وهو شفع وثانيها : العصر متوسطة بين صلاة نهارية وهي الظهر ، وليلية وهي المغرب وثالثها : أن العصر بين صلاتين