فخر الدين الرازي
159
تفسير الرازي
الفجر بالذكر ، فدل هذا على مزيد فضلها ، ثم إنه تعالى خص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد ، فيغلب على الظن أن صلاة الفجر لما ثبت أنها أفضل بتلك الآية ، وجب أن تكون هي المراد بالتأكيد المذكور في هذه الآية والثاني : أن الملائكة تتعاقب بالليل والنهار ، فلا تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في وقت واحد إلا صلاة الفجر ، فثبت أن صلاة الفجر قد أخذت بطرفي الليل والنهار من هذا الوجه ، فكانت كالشئ المتوسط السادس : أنه تعالى قال بعد ذكر الصلاة الوسطى : * ( وقوموا لله قانتين ) * قرن هذه الصلاة بذكر القنوت ، وليس في الشرع صلاة ثبت بالأخبار الصحاح القنوت فيها إلا الصبح ، فدل على أن المراد بالصلاة الوسطى هي صلاة الصبح السابع : لا شك أنه تعالى إنما أفردها بالذكر لأجل التأكيد ، ولا شك أن صلاة الصبح أحوج الصلوات إلى التأكيد ، إذ ليس في الصلاة أشق منها ، لأنها تجب على الناس في ألذ أوقات النوم ، حتى إن العرب كانوا يسمون نوم الفجر العسيلة للذتها ، ولا شك أن ترك النوم اللذيذ الطيب في ذلك الوقت ، والعدول إلى استعمال الماء البارد ، والخروج إلى المسجد والتأهب للصلاة شاق صعب على النفس ، فيجب أن تكون هي المراد بالصلاة الوسطى إذ هي أشد الصلوات حاجة إلى التأكيد الثامن : أن صلاة الصبح أفضل الصلوات ، وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد من الصلاة الوسطى صلاة الصبح ، إنما قلنا : إنها أفضل الصلوات لوجوه أحدها : قوله تعالى : * ( الصابرين والصادقين ) * إلى قوله تعالى : * ( والمستغفرين بالأسحار ) * ( آل عمران : 17 ) فجعل ختم طاعاتهم الشريفة وعباداتهم الكاملة بذكر كونهم مستغفرين بالأسحار ، ثم يجب أن يكون أعظم أنواع الاستغفار هو أداء الفرض ، لقوله عليه الصلاة والسلام حاكياً عن ربه تعالى " لن يتقرب إلي المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم " وذلك يقتضي أن أفضل الطاعات بعد الإيمان هو صلاة الصبح وثانيها : ما روي فيها أن التكبيرة الأولى منها مع الجماعة خير من الدنيا وما فيها وثالثها : أنه ثبت بالأخبار الصحيحة أن صلاة الصبح مخصوصة بالأذان مرتين : مرة قبل طلوع الفجر ، ومرة أخرى بعده وذلك لأن المقصود من المرة الأولى إيقاظ الناس حتى يقوموا ويتشمروا للوضوء ورابعها : أن الله تعالى سماها بأسماء ، فقال في بني إسرائيل : * ( وقرآن الفجر ) * ( الإسراء : 78 ) وقال في النور : * ( من قبل صلاة الفجر ) * ( النور : 58 ) وقال في الروم : * ( وحين تصبحون ) * ( الروم : 17 ) وقال عمر بن الخطاب : المراد من قوله : * ( وإدبار النجوم ) * ( الطور : 49 ) صلاة الفجر وخامسها : أنه تعالى أقسم به فقال : * ( والفجر * وليال عشر ) * ( الفجر : 1 ، 2 ) ولا يعارض هذا بقوله تعالى : * ( والعصر * إن الإنسان لفي خسر ) * ( العصر : 1 ، 2 ) فإنا إذا سلمنا أن المراد منه القسم بصلاة العصر لكن في صلاة الفجر تأكيد ، وهو قوله : * ( أقم الصلاة طرفي النهار ) * ( هود : 114 ) وقد بينا أن هذا التأكيد لم يوجد في العصر