فخر الدين الرازي

152

تفسير الرازي

طلقتموهن حال ما فرضتم لهن فريضة . أما قوله تعالى : * ( إلا أن يعفون ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما لم تسقط النون من * ( يعفون ) * وإن دخلت عليه * ( أن ) * الناصبة للأفعال لأن * ( يعفون ) * فعل النساء ، فاستوى فيه الرفع والنصب والجزم ، والنون في * ( يعفون ) * إذا كان الفعل مسنداً إلى النساء ضمير جمع المؤنث ، وإذا كان الفعل مسنداً إلى الرجال فالنون علامة الرفع فلذلك لم تسقط النون التي هي ضمير جمع المؤنث ، كما لم تسقط الواو التي هي ضمير جمع المذكر ، والساقط في * ( يعفون ) * إذا كان للرجال الواو التي هي لام الفعل في * ( يعفون ) * لا الواو التي هي ضمير الجمع ، والله أعلم . المسألة الثانية : المعنى : إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر ، وتقول المرأة : ما رآني ولا خدمته ، ولا استمتع بي . فكيف آخذ منه شيئاً . أما قوله تعالى : * ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية قولان الأول : أنه الزوج ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، وسعيد بن المسيب ، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة . والقول الثاني : أنه الولي ، وهو قول الحسن ، ومجاهد وعلقمة ، وهو قول أصحاب الشافعي . حجة القول الأول وجوه الأول : أنه ليس للولي أن يهب مهر موليته صغيرة كانت أو كبيرة فلا يمكن حمل هذه الآية على الولي والثاني : أن الذي بيد الولي هو عقد النكاح ، فإذا عقد حصلت العقدة ، لأن بناء الفعلة يدل على المفعول ، كالأكلة واللقمة ، وأما المصدر فالعقد كالأكل واللقم ، ثم من المعلوم أن العقدة الحاصلة بعد العقد في يد الزوج لا في يد الولي والثالث : أن قوله تعالى : * ( الذي بيده عقدة النكاح ) * معناه الذي بيده عقدة نكاح ثابت له لا لغيره ، كما أن قوله : * ( ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) * ( النازعات : 40 ) أي نهى النفس عن الهوى الثابت له لا لغيره ، كانت الجنة ثابتة له ، فتكون مأواه الرابع : ما روي عن جبير بن مطعم ، أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها فأكمل الصداق ، وقال : أنا أحق بالعفو ، وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من الآية العفو الصادر من الزوج . حجة من قال : المراد هو الولي وجوه الأول : أن الصادر من الزوج هو أن يعطيها كل المهر ، وذلك يكون هبة ، والهبة لا تسمى عفواً ، أجاب الأولون عن هذا من وجوه أحدها : أنه كان الغالب عندهم أن يسوق المهر إليها عند التزوج ، فإذا طلقها استحق أن يطالبها بنصف ما ساق إليها ، فإذا