فخر الدين الرازي

148

تفسير الرازي

أما قوله تعالى : * ( ومتعوهن ) * فاعلم أنه تعالى لما بين أنه لا مهر عند عدم المسيس ، والتقدير بين أن المتعة لها واجبة ، وتفسير لفظ المتعة قد تقدم في قوله : * ( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج ) * ( البقرة : 196 ) . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : المطلقات قسمان ، مطلقة قبل الدخول ، ومطلقة بعد الدخول ، أما المطلقة قبل الدخول ينظر إن لم يكن فرض لها مهر فلها المتعة بهذه الآية التي نحن فيها ، وإن كان قد فرض لها فلا متعة ، لأن الله تعالى أوجب في حقها نصف المهر ولم يذكر المتعة ، ولو كانت واجبة لذكرها وقال ابن عمر : لكل مطلقة متعة إلا التي فرض لها ولم يدخل بها فحسبها نصف المهر ، وأما المطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أو لم يفرض ، فهل تستحق المتعة ، فيه قولان : قال في " القديم " وبه قال أبو حنيفة : لا متعة لها ، لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض قبل الدخول ، وقال في " الجديد " : بل لها المتعة ، وهو قول علي بن أبي طالب عليه السلام ، والحسن بن علي ، وابن عمر ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( وللمطلقات متاع بالمعروف ) * ( البقرة : 241 ) وقال تعالى : * ( فتعالين أمتعكن ) * ( الأحزاب : 28 ) وكان ذلك في نساء دخل بهن النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس كالمطلقة بعد الفرض قبل المسيس ، لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة استباحة عوض فلم تستحق المتعة والمطلقة بعد الدخول استحقت الصداق بمقابلة استباحة البضع فتجب لها المتعة للإيحاش بالفراق . المسألة الثانية : مذهب الشافعي وأبي حنيفة أن المتعة واجبة ، وهو قول شريح والشعبي والزهري ، وروي عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة أنهم كانوا لا يرونها واجبة ، وهو قول مالك لنا قوله تعالى : * ( ومتعوهن ) * وظاهر الأمر للإيجاب ، وقال : * ( وللمطلقات متاع ) * فجعل ملكاً لهن أو في معنى الملك ، وحجة مالك أنه تعالى قال في آخر الآية : * ( حقاً على المحسنين ) * فجعل هذا من باب الإحسان وإنما يقال : هذا الفعل إحسان إذا لم يكن واجباً فإن وجب عليه أداء دين فأداه لا يقال إنه أحسن ، وأيضاً قال تعالى : * ( ما على المحسنين من سبيل ) * ( التوبة : 91 ) وهذا يدل على عدم الوجوب ، والجواب عنه أن الآية التي ذكرتموها تدل على قولنا لأنه تعالى قال : * ( حقاً على المحسنين ) * فذكره بكلمة * ( على ) * وهي للوجوب ، ولأنه إذا قيل : هذا حق على فلان ، لم يفهم منه الندب بل الوجوب . المسألة الثالثة : أصل المتعة والمتاع ما ينتفع به انتفاعاً غير باق بل منقضياً عن قريب ، ولهذا يقال : الدنيا متاع ، ويسمى التلذذ تمتعاً لانقطاعه بسرعة وقلة لبث . أما قوله تعالى : * ( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : * ( الموسع ) * الغني الذي يكون في سعة من غناه ، يقال : أوسع الرجل إذا