فخر الدين الرازي
143
تفسير الرازي
فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم ) * . اعلم أن في لفظ العزم وجوهاً الأول : أنه عبارة عن عقد القلب على فعل من الأفعال ، قال تعالى : * ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) * ( آل عمران : 159 ) واعلم أن العزم إنما يكون عزماً على الفعل ، فلا بد في الآية من إضمار فعل ، وهذا اللفظ إنما يعدى إلى الفعل بحرف * ( على ) * فيقال : فلان عزم على كذا إذا ثبت هذا كان تقدير الآية : ولا تعزموا على عقدة النكاح ، قال سيبويه : والحذف في هذه الأشياء لا يقاس ، فعلى هذا تقدير الآية : ولا تعزموا عقدة النكاح أن تقدروها حتى يبلغ الكتاب أجله والمقصود منه المبالغة في النهي عن النكاح في زمان العدة فإن العزم متقدم على المعزوم عليه ، فإذا ورد النهي عن العزم فلأن يكون النهي متأكداً عن الإقدام على المعزوم عليه أولى . القول الثاني : أن يكون العزم عبارة عن الإيجاب ، يقال : عزمت عليكم ، أي أوجبت عليكم ويقال : هذا من باب العزائم لا من باب الرخص ، وقال عليه الصلاة والسلام : " عزمة من عزمات ربنا " وقال : " إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه " ولذلك فإن العزم بهذا المعنى جائز على الله تعالى ، وبالوجه الأول لا يجوز . إذا عرفت هذا فنقول : الإيجاب سبب الوجود ظاهراً ، فلا يبعد أن يستفاد لفظ العزم في الوجود وعلى هذا فقوله : * ( ولا تعزموا عقدة النكاح ) * أي لا تحققوا ذلك ولا تنشئوه ، ولا تفرغوا منه فعلاً ، حتى يبلغ الكتاب أجله ، وهذا القول هو اختيار أكثر المحققين . القول الثالث : قال القفال رحمه الله : إنما لم يقل ولا تعزموا على عقدة النكاح ، لأن المعنى : لا تعزموا عليهن عقدة النكاح ، أي لا تعزموا عليهن أن يعقدن النكاح ، كما تقول : عزمت عليك أن تفعل كذا . فأما قوله تعالى : * ( عقدة النكاح ) * فاعلم أن أصل العقد الشد ، والعهود والأنكحة تسمى عقوداً لأنها تعقد كما يعقد الحبل . أما قوله تعالى : * ( حتى يبلغ الكتاب أجله ) * ففي الكتاب وجهان الأول : المراد منه : المكتوب والمعنى : تبلغ العدة المفروضة آخرها ، وصارت منقضية والثاني : أن يكون الكتاب نفسه في معنى الفرض كقوله : * ( كتب عليكم الصيام ) * ( البقرة : 183 ) فيكون المعنى حتى يبلغ هذا التكليف آخره ونهايته ، وإنما حسن أن يعبر عن معنى : فرض ، بلفظ * ( كتب ) * لأن ما يكتب يقع في النفوس أنه أثبت وآكد وقوله : * ( حتى ) * هو غاية فلا بد من أن يفيد ارتفاع الخطر المتقدم ، لأن من حق الغاية ضربت للحظر أن تقتضي زواله .