فخر الدين الرازي

134

تفسير الرازي

فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : يتوفون معناه يموتون ويقبضون قال الله تعالى : * ( الله يتوفى الأنفس حين موتها ) * ( الزمر : 42 ) وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً كاملاً ، فمن مات فقد وجد عمره وافياً كاملاً ، ويقال : توفي فلان ، وتوفي إذا مات ، فمن قال : توفي . كان معناه قبض وأخذ ومن قال : توفى . كان معناه توفى أجله واستوفى أكله وعمره وعليه قراءة علي عليه السلام يتوفون بفتح الياء . وأما قوله : * ( ويذرون ) * معناه : يتركون ، ولا يستعمل منه الماضي ولا المصدر استغناءً عنه يترك تركاً ، ومثله يدع في رفض مصدره وماضيه ، فهذان الفعلان العابر والأمر منهما موجودان ، يقال : فلان يدع كذا ويذر ويقال : دعه وذره أما الماضي والمصدر فغير موجودين منهما والأزواج ههنا النساء والعرب تسمي الرجل زوجاً وامرأته زوجاً له ، وربما ألحقوا بها الهاء . المسألة الثانية : قوله : * ( والذين ) * مبتدأ ولا بد له من خبر ، واختلفوا في خبره على أقوال الأول : أن المضاف محذوف والتقدير ، وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن والثاني : وهو قول الأخفش التقدير : يتربصن بعدهم إلا أنه أسقط لظهوره كقوله : السمن منوان بدرهم وقوله تعالى : * ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) * ( الشورى : 43 ) والثالث : وهو قول المبرد : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ، أزواجهم يتربصن ، قال : وإضمار المبتدأ ليس بغريب قال تعالى : * ( قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار ) * ( الحج : 72 ) يعني هو النار ، وقوله : * ( فصبر جميل ) * ( يوسف : 18 ) . فإن قيل : أنتم أضمرتم ههنا مبتدأ مضافاً ، وليس ذلك شيئاً واحداً بل شيئان ، والأمثلة التي ذكرتم المضمر فيها شيء واحد . قلنا : كما ورد إضمار المبتدأ المفرد ، فقد ورد أيضاً إضمار المبتدأ المضاف ، قال تعالى : * ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ) * ( آل عمران : 196 ، 197 ) والمعنى : تقلبهم متاع قليل الرابع : وهو قول الكسائي والفراء ، أن قوله تعالى : * ( والذين يتوفون منكم ) * مبتدأ ، إلا أن الغرض غير متعلق ههنا ببيان حكم عائد إليهم ، بل ببيان حكم عائد إلى أزوجهم ، فلا جرم لم يذكر لذلك المبتدأ خبراً ، وأنكر المبرد