فخر الدين الرازي

125

تفسير الرازي

باقية لوجب على الزوج ذلك بسبب الزوجية لا لأجل الرضاع ، واعلم أنه يمكن الجواب عن الحجة الأولى أن هذه الآية مشتملة على حكم مستقل بنفسه ، فلم يجب تعلقها بما قبلها ، وعن الحجة الثانية لا يبعد أن تستحق المرأة قدراً من المال لمكان الزوجية وقدراً آخر لمكان الرضاع فإنه لا منافاة بين الأمرين . القول الثالث : قال الواحدي في " البسيط " : الأولى أن يحمل على الزوجات في حال بقاء النكاح لأن المطلقة لا تستحق الكسوة وإنما تستحق الأجرة . فإن قيل : إذا كانت الزوجية باقية فهي مستحقة النفقة والكسوة بسبب النكاح سواء أرضعت الولد أو لم ترضع فما وجه تعليق هذا الاستحقاق بالإرضاع . قلنا : النفقة والكسوة يجبان في مقابلة التمكين ، فإذا أشغلت بالحضانة والإرضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما توهم متوهم أن نفقتها وكسوتها تسقط بالخلل الواقع في خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بإيجاب الرزق والكسوة ، وإن اشتغلت المرأة بالإرضاع ، هذا كله كلام الواحدي رحمه الله . أما قوله تعالى : * ( يرضعن أولادهن ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : هذا الكلام وإن كان في اللفظ خبراً إلا أنه في المعنى أمر وإنما جاز ذلك لوجهين الأول : تقدير الآية : والوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه ، إلا أنه حذف لدلالة الكلام عليه والثاني : أن يكون معنى يرضعن : ليرضعن ، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام مع زوال الإيهام . المسألة الثانية : هذا الأمر ليس أمر إيجاب ، ويدل عليه وجهان الأول : قوله تعالى : * ( فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ) * ( الطلاق : 6 ) ولو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة والثاني : أنه تعالى قال بعد ذلك : * ( وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) * ( الطلاق : 6 ) وهذا نص صريح ، ومنهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى : * ( وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ) * ( البقرة : 233 ) والوالدة قد تكون مطلقة فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع ، فلو كان الإرضاع واجباً عليها لما وجب ذلك ، وفيه البحث الذي قدمناه ، إذا ثبت أن الإرضاع غير واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب من حيث أن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان ، ومن حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار بأن لا يوجد غير الأم ، أو لا يرضع الطفل إلا منها ، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام . أما قوله تعالى : * ( حولين كاملين ) * ففيه مسائل :