فخر الدين الرازي

118

تفسير الرازي

وهي لام العاقبة والثاني : أن يكون المعنى : لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن ، فحينئذٍ تصيرون عصاة الله ، وتكونون متعمدين قاصدين لتلك المعصية ، ولا شك أن هذا أعظم أنواع المعاصي . أما قوله تعالى : * ( ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ) * ففيه وجوه أحدها : ظلم نفسه بتعريضها لعذاب الله وثانيها : ظلم نفسه بأن فوت عليها منافع الدنيا والدين ، أما منافع الدنيا فإنه إذا اشتهر فيما بين الناس بهذه المعاملة القبيحة لا يرغب في التزوج به ولا معاملته أحد ، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل والثواب الحاصل على الانقياد لأحكام الله تعالى وتكاليفه . أما قوله تعالى : * ( ولا تتخذوا آيات الله هزواً ) * ففيه وجوه الأول : أن من نسي فلم يفعله بعد أن نصب نفسه منصب من يطيع ذلك الأمر ، يقال فيه أنه استهزأ بهذا الأمر ويلعب به ، فعلى هذا كل من أمر بأنه تجب عليه طاعة الله وطاعة رسوله ، ثم وصلت إليه هذه التكاليف التي تقدم ذكرها في العدة والرجعة والخلع وترك المضارة فلا يتشمر لأدائها ، كان كالمستهزئ بها ، وهذا تهديد عظيم للعصاة من أهل الصلاة وثانيها : المراد : ولا تتسامحوا في تكاليف الله كما يتسامح فيما يكون من باب الهزل والعبث والثالث : قال أبو الدرداء : كان الرجل يطلق في الجاهلية ، ويقول : طلقت وأنا لاعب ، ويعتق وينكح ، ويقول مثل ذلك ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : " من طلق ، أو حرر ، أو نكح ، فزعم أنه لاعب فهو جد " والرابع : قال عطاء : المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله ، كان كالمستهزئ بآيات الله تعالى ، والأقرب هو الوجه الأول ، لأن قوله : * ( ولا تتخذوا آيات الله هزواً ) * تهديد ، والتهديد إذا ذكر بعد ذكر التكاليف كان ذلك التهديد تهديداً على تركها ، لا على شيء آخر غيرها ، واعلم أنه تعالى لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد ، رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أنواع نعمه عليهم ، فبدأ أولاً بذكرها على سبيل الإجمال فقال : * ( واذكروا نعمة الله عليكم ) * وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين ، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين ، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا ، فقال : * ( وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ) * والمعنى أنه إنما أنزل الكتاب والحكمة ليعظكم به ، ثم قال : * ( واتقوا الله ) * أي في أوامره كلها ، ولا تخالفوه في نواهيه * ( واعلموا أن الله بكل شيء عليم ) * . قوله تعالى ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا