فخر الدين الرازي
111
تفسير الرازي
قوله تعالى * ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) * . اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الذين قالوا : إن قوله * ( أو تسريح بإحسان ) * ( البقرة : 229 ) إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله : * ( فإن طلقها ) * تفسير لقوله : * ( تسريح بإحسان ) * وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله : * ( تسريح بإحسان ) * الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالاً ثلاثة أحدها : أن يراجعها ، وهو المراد بقوله : * ( فإمساك بمعروف ) * ( البقرة : 229 ) والثاني : أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله : * ( أو تسريح بإحسان ) * والثالث : أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله : * ( فإن طلقها ) * فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله : * ( أو تسريح بإحسان ) * عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى . واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشئ الأجنبي ، ونظم الآية * ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان * فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ) * . فإن قيل : فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين ؟ . قلنا : السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك : فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم . المسألة الثانية : مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس