فخر الدين الرازي
108
تفسير الرازي
أما القسم الأول : وهو أن يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل المرأة ، وذلك بأن تكون المرأة ناشزة مبغضة للزوج ، فههنا يحل للزوج أخذ المال منها والدليل عليه ما رويناه من حديث جميلة مع ثابت ، لأنها أظهرت البغض فجوز رسول الله صلى الله عليه وسلم لها الخلع ولثابت الأخذ . فإن قيل : فقد شرط تعالى في هذه الآية خوفهما معاً ، فكيف قلتم : إنه يكفي حصول الخوف منها فقط . قلنا : سبب هذا الخوف وإن كان أوله من جهة المرأة إلا أنه قد يترتب عليه الخوف الحاصل من قبل الزوج ، لأن المرأة تخاف على نفسها من عصيان الله في أمر الزوج ، وهو يخاف أنها إذا لم تطعه فإنه يضربها ويشتمها ، وربما زاد على قدر الواجب فكان الخوف حاصلاً لهما جميعاً ، فقد يكون ذلك السبب منها لأمر يتعلق بالزوج ، ويجوز أن تكره المرأة مصاحبة ذلك الزوج لفقره أو لقبح وجهه ، أو لمرض منفر منه ، وعلى هذا التقدير تكون المرأة خائفة من معصية الله في أن لا تطيع الزوج ، ويكون الزوج خائفاً من معصية الله تعالى من أن يقع منه تقصير في بعض حقوقها . القسم الثاني : أن يكون الخوف من قبل الزوج فقط ، بأن يضربها ويؤذيها ، حتى تلتزم الفدية فهذا المال حرام بدليل أول هذه الآية ، وبدليل سائر الآيات ، كقوله : * ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ) * إلى قوله : * ( أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً ) * ( النساء : 19 ، 20 ) وهذا مبالغة عظيمة في تحريم أخذ ذلك المال . القسم الثالث : أن لا يكون هذا الخوف حاصلاً من قبل الزوج ، ولا من قبل الزوجة ، وقد ذكرنا أن قول أكثر المجتهدين : أن هذا الخلع جائز ، والمال المأخوذ حلال ، وقال قوم إنه حرام . القسم الرابع : أن يكون الخوف حاصلاً من قبلهما معاً ، فهذا المال حرام أيضاً ، لأن الآيات التي تلوناها تدل على حرمة أخذ ذلك المال إذا كان السبب حاصلاً من قبل الزوج ، وليس فيه تقييد بقيد أن يكون من جانب المرأة سبب لذلك أم لا ولأن الله تعالى أفرد لهذا القسم آية أخرى وهو قوله تعالى : * ( وإن خفتم شقاق بينهما ) * الآية ، ولم يذكر فيه تعالى حل أخذ المال ، فهذا شرح هذه الأقسام الأربعة ، واعلم أن هذا الذي قلناه من هذه الأقسام إنما هو فيما بين المكلفين وبين الله تعالى ، فأما في الظاهر فهو جائز هذا هو قول الفقهاء . المسألة الخامسة : قرأ حمزة : * ( إلا أن يخافا ) * بضم الياء والباقون بفتحها ، قال صاحب " الكشاف " وجه قراءة حمزة إبدال أن لا يقيما من ألف الضمير ، وهو من بدل الاشتمال ، كقولك : خيف زيد