فخر الدين الرازي

102

تفسير الرازي

أكثر ، فكان ذكر ذلك كالتهديد للرجال في الإقدام على مضارتهن وإيذائهن ، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر ، كان صدور الذنب عنه أقبح ، واستحقاقه للزجر أشد . والوجه الثاني : أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين ، لأن المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة ، واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة ، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال : إن نصيب المرأة فيها أوفر ، ثم إن الزوج اختص بأنواع من حقوق الزوجة ، وهي التزام المهر والنفقة ، والذب عنها ، والقيام بمصالحها ، ومنعها عن مواقع الآفات ، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوباً ، رعاية لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى : * ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) * ( النساء : 34 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها " ثم قال تعالى : * ( والله عزيز حكيم ) * أي غالب لا يمنع ، مصيب أحكامه وأفعاله ، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل . قوله تعالى : * ( الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ) * . اعلم أن هذا هو الحكم الثالث من أحكام الطلاق ، وهو الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : كان الرجل في الجاهلية يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها ، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له ، فجاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها ، فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك ، فذكرت عائشة رضي الله عنها ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل قوله تعالى : * ( الطلاق مرتان ) * . المسألة الثانية : اختلف المفسرون في أن هذا الكلام حكم مبتدأ وهو متعلق بما قبله ، قال قوم : إنه حكم مبتدأ ، ومعناه أن التطليق الشرعي يجب أن يكون تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ، وهذا التفسير هو قول من قال : الجمع بين الثلاث حرام ، وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار : أن هذا هو قول عمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، وعمران بن الحصين ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي الدرداء وحذيفة .