فخر الدين الرازي
95
تفسير الرازي
أي لم تجمع في رحمها ولدا ، ومن هذا الأصل : قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها ، فسمي القرآن قرآناً ، لأنه يجمع السور ويضمها وثالثها : قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا ، لأن القارئ يكتبه ، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذاً من قول العرب : ما قرأت الناقة سلى قط ، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولداً قط وما طرحت ، وسمي الحيض ، قرأ لهذا التأويل ، فالقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآناً . المسألة الثالثة : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى : * ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ) * ( البقرة : 23 ) أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج ، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة ، ولهذا قال الله تعالى : * ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل ) * إذا ثبت هذا فنقول : لما كان المراد ههنا من قوله تعالى : * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) * أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل ، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال . أما قوله : * ( هدى للناس ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : بينا تفسير الهدى في قوله تعالى : * ( هدى للمتقين ) * ( البقرة : 2 ) . والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين ، وههنا جعله هدى للناس ، فكيف وجه الجمع ؟ وجوابه ما ذكرناه هناك . المسألة الثانية : * ( هدى للناس وبينات ) * نصب على الحال ، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل . أما قوله تعالى : * ( وبينات من الهدى والفرقان ) * ففيه إشكال وهو أن يقال : ما معنى قوله : * ( وبينات من الهدى ) * بعد قوله : * ( هدى ) * . وجوابه من وجوه الأول : أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى ، ثم الهدى على قسمين : تارة يكون كونه هدى للناس بينا جلياً ، وتارة لا يكون كذلك ، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل : هو هدى لأنه هو البين من الهدى ، والفارق بين الحق والباطل ، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه ، لكونه أشرف أنواعه ، والتقدير كأنه قيل : هذا هدى ، وهذا بين من الهدى ، وهذا بينات من الهدى ، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني : أن يقال : القرآن هدى في نفسه ، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان ، والمراد بالهدى والفرقان : التوراة والإنجيل قال الله تعالى : * ( نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل