فخر الدين الرازي
87
تفسير الرازي
الطاقة فهو اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله : * ( وعلى الذين يطيقونه ) * أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة . الوجه الثاني : في تقرير هذا القول القراءة الشاذة * ( وعلى الذين يطيقونه ) * فإن معناه وعلى الذين يجشمونه ويكلفونه ، ومعلوم أن هذا لا يصح إلا في حق من قدر على الشئ مع ضرب من المشقة . إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما : وهو قول السدي : أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، يروى أن أنساً كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم ويطعم لكل يوم مسكيناً وقال آخرون : إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع سئل الحسن البصري عن الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما وعلى ولديهما فقال : فأي مرض أشد من الحمل تفطر وتقضي . واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية ؟ فقال الشافعي رضي الله عنه : عليهما الفدية ، فقال أبو حنيفة : لا تجب حجة الشافعي أن قوله : * ( وعلى الذين يطيقونه فدية ) * يتناول الحامل والمرض ، وأيضاً المدية واجبة على الشيخ الهرم فتكون واجبة أيضاً عليهما ، وأبو حنيفة فرق فقال : الشيخ الهرم لا يمكن إيجاب القضاء عليه فلا جرم وجبت الفدية ، أما الحامل والمرضع فالقضاء واجب عليهما ، فأوجبنا الفدية عليهما أيضاً كان ذلك جمعاً بين البدلين وهو غير جائز لأن القضاء بدل والفدية بدل ، فهذا تفصيل هذه الأقوال الثلاثة في تفسير قوله تعالى : * ( وعلى الذين يطيقونه ) * . أما القول الأول : وهو اختيار الأصم فقد احتجوا على صحته من وجوه أحدها : أن المرض المذكور في الآية إما أن يكون هو المرض الذي يكون في الغاية ، وهو الذي لا يمكن تحمله ، أو المراد كل ما يسمى مرضاً ، أو المراد منه ما يكون متوسطاً بين هاتين الدرجتين ، والقسم الثاني باطل بالاتفاق ، والقسم الثالث أيضاً باطل ، لأن المتوسطات لها مراتب كثيرة غير مضبوطة ، وكل مرتبة منها فإنها بالنسبة إلى ما فوقها ضعيفة وبالنسبة إلى ما فوقها إلى ما تحتها قوية ، فإذا لم يكن في اللفظ دلالة على تعيين تلك المرتبة مع أن مراد الله هو تلك المرتبة صارت الآية مجملة وهو خلاف الأصل ، ولما بطل هذان القسمان تعين أن المراد هو القسم الأول ، وذلك لأنه مضبوط ، فحمل الآية عليه أولى لأنه لا يفضي إلى صيرورة الآية مجملة . إذا ثبت هذا فنقول : أول الآية دل على إيجاب الصوم ، وهو قوله : كتب عليكم الصيام