فخر الدين الرازي
84
تفسير الرازي
ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) ولا بد وأن يكون هذا اليسر والعسر شيئاً تقدم ذكرهما ، وليس هناك يسر إلا أنه أذن للمريض والمسافر في الفطر ، وليس هناك عسر إلا كونهما صائمين فكان قوله : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * معناه يريد منكم الإفطار ولا يريد منكم الصوم فذلك تقرير قولنا ، وأما الخبر فإثنان الأول : قوله عليه السلام : " ليس من البر الصيام في السفر " لا يقال هذا الخبر وارد عن سبب خاص ، وهو ما روي أنه عليه الصلاة والسلام مر على رجل جالس تحت مظلة فسأل عنه فقيل هذا صائم أجهده العطش ، فقال : " ليس من البر الصيام في السفر " لأنا نقول العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " . أما حجة الجمهور : فهي أن في الآية إضماراً لأن التقدير : فأفطر فعدة من أيام أخر وتمام تقرير هذا الكلام أن الإضمار في كلام الله جائز في الجملة وقد دل الدليل على وقوعه ههنا أما بيان الجواز فكما في قوله تعالى : * ( فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ) * ( البقرة : 60 ) والتقدير فضرب فانفجرت وكذلك قوله تعالى : * ( ولا تحلقوا رؤسكم ) * إلى قوله : * ( أو به أذى من رأسه ففدية ) * ( البقرة : 96 ) أي فحلق فعليه فدية فثبت أن الإضمار جائز ، أما أن الدليل دل على وقوعه ففي تقريره وجوه الأول : قال القفال : قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 185 ) يدل على وجوب الصوم ولقائل أن يقول هذا ضعيف وبيانه من وجهين الأول : أنا إذا أجرينا ظاهر قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * ( البقرة : 185 ) على العموم لزمنا الإضمار في قوله تعالى : * ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) * وقد بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص وبين الإضمار كان تحمل التخصيص أولى والثاني وهو أن ظاهر قوله تعالى : * ( فليصمه ) * يقتضي الوجوب عيناً ، ثم إن هذا الوجوب منتف في حق المريض والمسافر ، فهذه الآية مخصوصة في حقهما على جميع التقديرات سواء أجرينا قوله تعالى فعليه : * ( عدة من أيام أخر ) * على ظاهره أو لم نفعل ذلك وإذا كان كذلك وجب إجراء هذه الآية على ظاهرها من غير إضمار . الوجه الثاني : ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط ، فقال : القضاء إنما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر ، فلما أوجب الله القضاء والقضاء مسبوق بالفطر ، دل على أنه لا بد من إضمار الإفطار وهذا في غاية السقوط لأن الله تعالى لم يقل : فعليه قضاء ما مضى بل قال : فعليه صوم عدة من أيام أخر وإيجاب الصوم عليه في أيام أخر لا يستدعي أن يكون مسبوقاً بالإفطار . الوجه الثالث : ما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة