فخر الدين الرازي

32

تفسير الرازي

وههنا بحثان : البحث الأول : في التعجب : وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل ، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول ، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ * ( بل عجبت ويسخرون ) * ( الصافات : 12 ) بضم التاء من عجبت ، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي : معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام ، وإن كان في حق العباد لا بد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى ، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد . البحث الثاني : اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما : ما أفعله كقوله تعالى : * ( فما أصبرهم على النار ) * والثاني : أفعل به كقوله : * ( أسمع بهم وأبصر ) * ( مريم : 38 ) . أما العبارة الأولى : وهي قولهم ؛ ما أصبره ففيها مذاهب . القول الأول : وهو اختيار البصريين أن * ( ما ) * اسم مبهم يرتفع بالابتداء ، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيداً مفعول وتقديره : شيء حسن زيدا أي صيره حسناً . واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً واحتجوا عليه بوجوه الأول : أنه يصح أن يقال ما أكرم الله ، وما أعظمه وما أعلمه ، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل أن يقال : شيء جعل الله كريما وعظيماً وعالماً ، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل . هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب ، قلنا : إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة * ( ما ) * ههنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ ، ولا يكون أعظم خبراً عنه ، فلا بد من صرفه إلى وجه آخر ، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح . الحجة الثانية : أنه لو كان معنى قولنا . ما أحسن زيداً شيء حسن زيداً ، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام ، ومعلوم أنا إذا قلنا : شيء حسن زيداً فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب البتة ، بل كان ذلك كالهذيان ، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا : ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً . الحجة الثالثة : أن الذي حسن زيداً والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا