فخر الدين الرازي

104

تفسير الرازي

عباس ، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت هذه الآية وسابعها : قال الحسن : سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : أين ربنا ؟ فأنزل الله هذه الآية وثامنها : ما ذكرنا أن قوله : * ( كما كتب على الذين من قبلكم ) * ( البقرة : 183 ) لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم ، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا ؟ فأنزل الله هذه الآية . واعلم أن قوله : * ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) * يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى ، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالاً عن ذات الله تعالى ، أو عن صفاته ، أو عن أفعاله ، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه ، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات ، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعاً على كونه تعالى سميعاً ، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء ، وهل أذن في الدعاء ، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء ، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة ، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا ، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين ، كما قال تعالى : * ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ) * ( الإسراء : 110 ) وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا ، وهل يفعله ما نسأله عنه فقوله سبحانه : * ( وإذا سألك عبادي عني ) * يحتمل كل هذه الوجوه ، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين الأول : أن ظاهر قوله : * ( عني ) * يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله * ( والثاني ) * أن السؤال متى كان مبهماً والجواب مفصلاً ، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين ، فلما قال في الجواب : * ( فإني قريب ) * علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات ، ولقائل أيضاً أن يقول بل السؤال كان على الفعل ، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم ، وهل يحصل مقصود ، بدليل أنه لما قال : * ( فإني قريب ) * قال : * ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) * فهذا هو شرح هذا المقام . أما قوله تعالى : * ( فإني قريب ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان ، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ ، فيحتاج ههنا إلى بيان مطلوبين : المطلوب الأول : في بيان أن هذا القريب ليس قرباً بحسب المكان ، ويدل عليه وجوه