فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى : * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * ( البقرة : 143 ) . وثالثها : لما نزل قوله تعالى : * ( ادعوني استجب لكم ) * ( غافر : 60 ) قالوا : أين ندعوه فنزلت هذه الآية ، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك . ورابعها : أنه خطاب للمسلمين ، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها ، وهو قول علي بن عيسى . وخامسها : من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها ، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب . المسألة الثانية : إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد ، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة ، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة . المسألة الثالثة : اللام في قوله تعالى : * ( ولله المشرق والمغرب ) * لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما ، وهو كقوله : * ( رب المشرقين ورب المغربين ) * ( الرحمن : 17 ) وقوله : * ( برب المشارق والمغارب ، ورب المشرق والمغرب ) * ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات ، كما قال : * ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) . المسألة الرابعة : الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه ، وبيانه من وجهين ، الأول : أنه تعالى قال : * ( ولله المشرق والمغرب ) * فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً ، وكل ما كان كذلك فهو منقسم ، وكل منقسم فهو مؤلف مركب ، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد ، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها ، أعني الفوق والتحت ، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها ، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة ، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز ، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات . الوجه الثاني : أنه تعالى قال : * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله : * ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) * فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول : أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً . الثاني : أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً ، والسعة من صفة الأجسام . والجواب عن الأول : أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص