فخر الدين الرازي
3
تفسير الرازي
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَه أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) * اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، واعلم أن اليهود لا تقول في النصارى : إنها تدخل الجنة ، ولا النصارى في اليهود ، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال : وقالت اليهود : لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً ، وقالت النصارى : لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى ، ولا يصح في الكلام سواه ، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر ، ونظيره : * ( قالوا كونوا هوداً أو نصارى ) * ( البقرة : 135 ) والهود : جمع هائد ، كعائذ وعوذ وبازل وبزل ، فإن قيل : كيف قيل : كان هوداً ، على توحيد الاسم ، وجمع الخبر ؟ قلنا : حمل الاسم على لفظ ( من ) والخبر على معناه كقراءة الحسن : * ( إلا من هو صال الجحيم ) * ( الصافات : 163 ) وقرأ أبي بن كعب : * ( إلا من كان يهودياً أو نصرانياً ) * أما قوله تعالى : * ( تلك أمانيهم ) * فالمراد أن ذلك متمنياتهم ، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقاً في نفسه ، فإن قيل : لم قال : * ( تلك أمانيهم ) * وقولهم : * ( لن يدخل الجنة ) * أمنية واحدة ؟ قلنا : أشير بها إلى الأماني المذكورة ، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً ، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم ، أي : تلك الأماني الباطلة أمانيهم ، وقوله تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم ) * متصل بقوله : * ( لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ) * و * ( تلك أمانيهم ) * اعتراض ، قال عليه الصلاة والسلام " الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني " وقال علي رضي الله عنه : " لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي " . أما قوله تعالى : * ( قل هاتوا برهانكم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : هات : صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر . المسألة الثانية : دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفياً ، أو إثباتاً ، فلا بد له من الدليل والبرهان ، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر : من ادعى شيئاً بلا شاهد * لا بد أن تبطل دعواه أما قوله تعالى : * ( بلى ) * ففيه وجوه . الأول : أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة . الثاني : أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً . الثالث : كأنه قيل لهم : أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة ، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة ، فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإسلام ، وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا