فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
تبعيد الكفار عنه واجباً . وسادسها : أجمعنا على أن الجنب يمنع منه ، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور ، الأول : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد . الثاني : قوله عليه الصلاة والسلام : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن " وهذا يقتضي إباحة الدخول . الثالث : الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم ، والجواب عن الحديثين الأولين : أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية ، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق والله أعلم . * ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) * قوله تعالى : * ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم ) * . اعلم أن في هذه الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة ، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين ، أحدها : أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة . وثانيهما : أن ظاهر قوله : * ( فأينما تولوا ) * يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة ، ولهذا لا يعقل من قوله : * ( فولوا وجوهكم ) * ( البقرة : 144 ) إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه : أحدها : أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة ، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له ، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة ، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها ، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة ، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر ، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة . وثانيها : أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية رداً عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله : * ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) * ( البقرة : 142 ) . وثالثها : قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال : إن الجنة له لا لغيره ، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك