فخر الدين الرازي

11

تفسير الرازي

المسألة الثانية : في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه : فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال : تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط ، فقيل لهم : كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا ، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال : جرى ذكر مشركي العرب في قوله : * ( كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) * ( البقرة : 113 ) وقيل : جرى ذكر جميع الكفار وذمهم ، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين . المسألة الثالثة : قوله : * ( مساجد الله ) * عموم فمنهم من قال : المراد به كل المساجد ، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة ، وقالوا : قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه ، فخربوه قبل الهجرة ، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فإن قيل : كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد ؟ قلنا : فيه وجوه . أحدها : هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً : ومن أظلم ممن آذى الصالحين . وثانيها : أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد . المسألة الرابعة : قوله : * ( أن يذكر فيها اسمه ) * في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال . الأول : أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول : منعته كذا ، ومثله : * ( وما منعنا أن نرسل بالآيات ، وما منع الناس أن يؤمنوا ) * . الثاني : قال الأخفش : يجوز أن يكون على حذف ( من ) كأنه قيل : منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه . الثالث : أن يكون على البدل من مساجد الله . الرابع : قال الزجاج : يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه ، والعامل فيه ( منع ) . المسألة الخامسة : السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين . أحدهما : منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً . والثاني : بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول : كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له ، وقيل : إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر . المسألة السادسة : ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل ، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل ، والجواب عنه : أقصى ما في الباب أنه عام دخله