أبي الفرج الأصفهاني

204

الأغاني

فقتل [ 1 ] منهم جماعة كثيرة ، وقتل معهم رجلان من تغلب ، يقال لأحدهما : جسّاس ، والآخر غنيّ ، وهو أبو جسّاس . وقد قالت له امرأته : يا أبا جسّاس ، هؤلاء قومك فأتهم حين اجتمعوا وامتنعوا ، فقال : اليوم نزاريّ وأمس كلبيّ ! ما أنا بمفارقهم ، فقاتل حتّى قتل ، فكانت القتلى يوم المصيّخ [ 2 ] من كلب ثمانية عشر رجلا والتّغلبيّين ، وبقي الماء ليس فيه إلا النّساء . فلمّا انصرف عنهم زفر أراد النساء أن يجررن القتلى إلى بئر يقال لها : كوكب . فلما أردن أن يجررن رجلا قالت وليّته من النّساء : لا يكون فلان تحت رجالكنّ كلَّهم ، فأتت أمّ عمير بن حسّان ، وهي كيّسة [ 3 ] / بنت أبيّ ، فأعلقت في رجله رداءها ، ثم قالت : اجسر عمير فإنّ [ 4 ] أباك كان جسورا ، ثم ألقت عليه التّراب والحطب ليكون بينه وبين أصحابه شيء . ثم جعلن كلما ألقين رجلا ألقين عليه التّراب والحطب حتى وارتهم القليب . ولمّا بلغ حميد بن حريث بن بحدل ما لقي قومه أقبل حتى أتى تدمر [ 5 ] ليجمع أصحابه ، وليغير على قيس . فلما وقعت الدّماء نهض بنو نمير ، وهم يومئذ ببطن الجبل ، وهو على مياه لهم [ 6 ] ، إلى حميد بن حريث بن بحدل ، حتى [ 7 ] قدم وراءه يتهيّأ للغارة ، واجتمعت إليه كلب ، وقالوا له : إن كنت تبرئنا ببراءتنا ، وتعرف جوارنا أقمنا ، وإن كنت تتخوّف علينا من قومك شيئا لحقنا بقومنا ، فقال : أتريدون أن تكونوا أدلَّاءهم حتى تنجلي هذه الفتنة ؟ فاحتبسهم فيها ، وخليفته في تدمر رجل من كلب يقال له : مطر بن عوص ، وكان / فاتكا ، فأراد حميدا على قتلهم ، فأبى وكره الدّماء ، فلمّا سار حميد ، وقد عاد زفر أيضا مغيرا ، ليردّه عمّا يريده ، فنزل قرية له ، وبلغه مسير زفر فاغتاظ وأخذ في التّعبئة ، فأتاه مطر وكان خرج معه مشيّعا له انتهازا لدماء الَّذين في يده من النّميريّين ، فقال : ما أصنع بهؤلاء الأسارى الَّذين في يدي وقد قتل أهل مصبح ؟ فقال وهو لا يعقل من الوجد : اذهب فاقتلهم . فخرج مطر يركض إلى تدمر ، تخوّف ألَّا يبدوا له [ 8 ] ، فلمّا أتى تدمر قتلهم [ 9 ] ، وانتبه حميد بعد ذلك بساعة فقال : أين مطر حتى أوصيه ؟ قالوا : انصرف ، قال [ 10 ] : أدركوا عدوّ اللَّه ، فإنّي أخاف على من بيده من النّميريّين . وبعث فارسا يركض يمنع مطرا عن قتلهم ، فأتاه وقد قتل كلّ من كان في يده / من الأسرى إلَّا رجلين - وكانوا ستّين رجلا - فلما بلَّغه الرّسول رسالة حميد قال النّميريّان الباقيان : خلّ عنا فقد أمرت بتخلية سبيلنا ، فقال : أبعد أهل المصيّخ ! لا واللَّه لا تخبّران عنهم ، ثم قتلهما . فلمّا بلغ زفر قتل النّميريّين بسط يده [ 11 ] على كلّ من أدرك من كلب ، واستحلّ الدّماء ، وأخذ في واد يقال له وادي الجيوش ، وقد انتشرت به كلب للصّيد ، فلم يدرك به أحدا إلَّا قتله ، فقتل أكثر من خمسمائة ، ولم يلقه حميد . ثم انصرف إلى قرقيسياء .

--> [ 1 ] س : « فقتلت » . [ 2 ] « يوم المصيح » : من نسخة ج . [ 3 ] ج : ونيسة . [ 4 ] س : إن . [ 5 ] « معجم البلدان » ( تدمر ) : « مدينة قديمة مشهورة في برية الشام » . [ 6 ] ج ، س : « تميم » . [ 7 ] ج : « حين » . [ 8 ] « بيروت » : تخوفا لا يبدو له « . [ 9 ] ج : « فقتلهم » . [ 10 ] لم تذكر في ج . [ 11 ] « يده » : لم تذكر في ج .