أبي الفرج الأصفهاني
335
الأغاني
قال : فضحك الوليد حتى سقط على قفاه ، وصفّق بيديه ورجليه ، وأمر بالشراب فأحضر ، وأمرني بالإنشاد ، فجعلت أنشده هذه الأبيات وأكرّرها عليه ، وهو يشرب ويصفّق حتى سكر ، وأمر لي بحلَّتين وثلاثين ألف درهم ، فقبضتها ، ثم قال لي : ما فعل عمّار ؟ فقلت : حيّ كميّت ، قد عشي [ 1 ] بصره ، وضعف جسمه ولا حراك به . فأمر له بعشرة آلاف درهم ، فقلت له : ألا أخبر أمير المؤمنين بشيء يفعله لا ضرر عليه فيه ، / وهو أحبّ إلى عمّار من الدّنيا بحذافيرها لو سيقت إليه ؟ فقال : وما ذاك ؟ قلت : إنه لا يزال ينصرف من الحانات وهو سكران ، فترفعه الشّرط ، فيضرب الحدّ ، فقد قطَّع بالسّياط ، وهو لا يدع الشّراب ولا يكفّ عنه . فتكتب بألَّا يعرض له . فكتب إلى عامله بالعراق ألَّا يرفع إليه أحد من الحرس عمّارا في سكر ولا غيره إلا ضرب الرافع له حدّين وأطلق عمّارا . فأخذت المال وجئته به ، وقلت له : ما ظننت أنّ اللَّه يكسب أحدا بشعرك نقيرا [ 2 ] ولا يسأل عنه عاقل ، حتى كسبت بأوضع شيء قلته ثلاثين ألفا ، قال : عزّ عليّ فذلك لقلَّة شكرك يا بن الزانية [ 3 ] ، فهات نصيبي منها ، فقلت : لقد استغنيت عن ذلك بما خصصت به ، ودفعت إليه العشرة آلاف درهم . فقال : وصلك اللَّه يا أخي وجزاك اللَّه خيرا ، ولكنها سبب هلاكي وقتلي ، لأني أشرب بها ما دام [ 4 ] معي منها درهم ، وأضرب أبدا حتى أموت ، فقلت له : لقد كفيتك ذلك ، وهذا عهد أمير المؤمنين ألَّا تضرب ، وأن يضرب كلّ من يرفعك حدّين : فقال : واللَّه لأنا أشدّ فرحا بهذا من فرحي بالمال [ 5 ] ، فجزيت خيرا من أخ وصديق ؛ وقبض المال فلم يزل يشرب حتى مات ، وبقيّته عنده . يهجو امرأته فتضربه نسخت من كتاب الحزنبل المشتمل على شعر عمّار وأخباره : أنّ عمّارا ذا كبار كانت له امرأة يقال لها دومة بنت رباح ، وكان يكنّيها أمّ عمّار وكانت قد تخلَّقت بخلقه في شرب الشّراب والمجون والسّفه ، حتى صارت [ 6 ] تدخل / الرجال عليها وتجمعهم على الفواحش ، ثم حجّت في إمارة يوسف بن عمر [ 7 ] فقال لها عمار : اتقي اللَّه قد حججت وتوبي لا يكوننّ ما صنعت خبالا ويك يا دوم لا تدومي على الخم ر ولا تدخلي عليك الرّجالا إنّ بالمصر يوسفا فاحذريه لا تصيري للعالمين نكالا وثقيف إن تثقفنك بحدّ لم يساو الإهاب منك قبالا [ 8 ] / قد مضى ما مضى وقد كان ما كان وأودى الشّباب منك فزالا
--> [ 1 ] « المختار » : « قد غشي بصره » . [ 2 ] « المختار » ، خد : « يكسب بشعرك أحدا خيرا » . [ 3 ] خد : « يا بن الفاعلة » . [ 4 ] « المختار » : « ما دار معي منها درهم » . [ 5 ] ف : « أشد فرحا به مني بالمال » . [ 6 ] « المختار » ، خد : « حتى يدخل الرجال إليها » . [ 7 ] « المختار » : « في إمارة مخرمة بن عمرو » . [ 8 ] « المختار » : « وثقيف إن ثقفتك . . . . . . لا يساوي « والقبال : سير في النعل بين الإصبع الوسطى والتي تليها .