فخر الدين الرازي

86

تفسير الرازي

صلاة العصر " ففي هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة وخامسها : أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار ، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال ، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها ، فأقسم بهذه الصلاة تفخيماً لشأنها ، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحاً ، كما قال : * ( إلا الذين آمنوا ) * وسادسها : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم ولا يزكيهم - ( عد ) منهم - رجل حلف بعد العصر كاذباً " * ( فإن قيل ) * صلاة العصر فعلنا ، فكيف يجوز أن يقال : أقسم الله تعالى به ؟ والجواب : أنه ليس قسماً من حيث إنها فعلنا ، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا الله تعالى بها . القول الرابع : أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام ، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام : " إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيراً ، فقال : من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط ، فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط ، فعملت النصارى ، ثم ثال : من يعمل من العصر إلى المغبر بقراطين ، فعملتم أنتم ، فغضبت اليهود والنصارى ، وقالوا : نحن أكثر عملاً وأقل أجراً ! فقال الله : وهل نقصت من أجركم شيئاً ، قالوا : لا ، قال : فهذا فضلي أوتيه من أشاء ، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً " فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته ، فلا جرم أقسم الله به ، فقوله : * ( والعصر ) * أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله : * ( وأنت حل بهذا البلد ) * وبعمره في قوله : * ( لعمرك ) * فكأنه قال : وعصرك وبلدك وعمرك ، وذلك كله كالظرف له ، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف ، ثم وجه القسم ، كأنه تعالى يقول : أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم ، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك ، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم . * ( إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ) * . قوله تعالى : * ( إن الإنسان لفي خسر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الألف واللام في الإنسان ، يحتمل أن تكون للجنس ، وأن تكون للمعهود السابق ، فلهذا ذكر المفسرون فيه قولين الأول : أن المراد منه الجنس وهو كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس ، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان والقول الثاني : المراد منه شخص معين ، قال ابن عباس : يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب . وقال مقاتل : نزلت في أبي لهب ، وفي خبر مرفوع