فخر الدين الرازي
83
تفسير الرازي
مصروفاً إلى طاعة الله لا إلى معصيته ، فيكون السؤال واقعاً عن الكل ، ويؤكده ما روى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيم أفناه ، وعن شبابه فيم أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ، وعن علمه ماذا عمل به " فكل النعيم من الله تعالى داخل فيما ذكره عليه الصلاة والسلام . المسألة الثالثة : اختلفوا في أن هذا السؤال أين يكون ؟ . فالقول الأول : أن هذا السؤال إنما يكون في موقف الحساب ، فإن قيل : هذا لا يستقيم ، لأنه تعالى أخبر أن هذا السؤال متأخر عن مشاهدة جهنم بقوله : * ( ثم لتسئلن ) * وموقف السؤال متقدم على مشاهدة جهنم ؟ قلنا : المراد من قوله : * ( ثم ) * أي ثم أخبركم أنكم تسألون يوم القيامة ، وهو كقوله : * ( فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة ) * إلى قوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * . القول الثاني : أنهم إذا دخلوا النار سئلوا عن النعيم توبيخاً لهم ، كما قال : * ( كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ) * وقال : * ( ما سلككم في سقر ) * ولا شك أن مجيء الرسول نعمة من الله ، فقد سئلوا عنه بعد دخولهم النار ، أو يقال : إنهم إذا صاروا في الجحيم وشاهدوها ، يقال لهم : إنما حل بكم هذا العذاب لأنكم في دار الدنيا اشتغلتم بالنعيم عن العمل الذي ينجيكم من هذه النار ، ولو صرفتم عمركم إلى طاعة ربكم لكنتم اليوم من أهل النجاة الفائزين بالدرجات ، فيكون ذلك من الملائكة سؤالاً عن نعيمهم في الدنيا ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .