فخر الدين الرازي

79

تفسير الرازي

في مثل هذا المكان أحسن ، يقول الرجل للرجل : لو فعلت هذا أي لكان كذا ، قال الله تعالى : * ( لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ) * ولم يجيء له جواب وقال : * ( ولو ترى إذا وقفوا على ربهم ) * إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في جواب لو وجوهاً أحدها : قال الأخفش : * ( لو تعلمون علم اليقين ) * ما ألهاكم التكاثر وثانيها : قال أبو مسلم لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به وثالثها : أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم ، وكأنه قال : * ( لو علمتم علم اليقين ) * لفعلتم مالا يوصف ولا يكتنه ، ولكنكم ضلال وجهلة ، وأما قوله : * ( لترون الجحيم ) * فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف ، والقسم لتوكيد الوعيد ، وأن ما أوعدا به مما لا مدخل فيه للريب وكرره معطوفاً بثم تغليظاً للتهديد وزيادة في التهويل . المسألة الثانية : أنه تعالى أعاد لفظ كلا وهو للزجر ، وإنما حسنت الإعادة لأنه عقبه في كل موضع بغير ما عقب به الموضع الآخر ، كأنه تعالى قال : لا تفعلوا هذا فإنكم تستحقون به من العذاب كذا لا تفعلوا هذا فإنكم تستوجبون به ضرراً آخر ، وهذا التكرير ليس بالمكروه بل هو مرضي عندهم ، وكان الحسن رحمه الله يجعل معنى * ( كلا ) * في هذا الموضع بمعنى حقاً كأنه قيل حقاً : * ( لو تعلمون علم اليقين ) * . المسألة الثالثة : في قوله : * ( علم اليقين ) * وجهان أحدهما : أن معناه علماً يقيناً فأضيف الموصوف إلى الصفة ، كقوله تعالى : * ( ولدار الآخرة ) * وكما يقال : مسجد الجامع وعام الأول والثاني : أن اليقين ههنا هو الموت والبعث والقيامة ، وقد سمي الموت يقيناً في قوله : * ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) * ولأنهما إذا وقعا جاء اليقين ، وزال الشك فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله ، وقد يقول الإنسان : أنا أعلم علم كذا أي أتحققه ، وفلان يعلم علم الطب وعلم الحساب ، لأن العلوم أنواع فيصلح لذلك أن يقال : علمت علم كذا . المسألة الرابعة : العلم من أشد البواعث على العمل ، فإذا كان وقت العمل أمامه كان وعداً وعظة ، وإن كان بعد وفاة وقت العمل فحينئذ يكون حسرة وندامة ، كما ذكر أن ذا القرنين لما دخل الظلمات ( وجد خرزاً ) ، فالذين كانوا معه أخذوا من تلك الخرز فلما خرجوا من الظلمات وجدوها جواهر ، ثم الآخذون كانوا في الغم أي لما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا ، والذين لم يأخذوا كانوا أيضاً في الغم ، فهكذا يكون أحوال أهل القيامة . المسألة الخامسة : في الآية تهديد عظيم للعلماء فإنها دلت على أنه لو حصل اليقين بما في التكاثر والتفاخر من الآفة لتركوا التكاثر والتفاخر ، وهذا يقتضي أن من لم يترك التكاثر والتفاخر لا يكون اليقين حاصلاً له فالويل للعالم الذي لا يكون عاملاً ثم الويل له . المسألة السادسة : في تكرار الرؤية وجوه أحدها : أنه لتأكيد الوعيد أيضاً لعل القوم