فخر الدين الرازي

63

تفسير الرازي

سورة العاديات إحدى عشرة آية مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ) * . * ( والعاديات ضبحاً ) * . اعلم أن الضبح أصوات أنفاس الخيل إذا عدت ، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة ، ولكنه صوت نفس ، ثم اختلفوا في المراد بالعاديات على قولين : الأول : ما روى عن علي عليه السلام وابن مسعود أنها الإبل ، وهو قول إبراهيم والقرظي روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " بينا أنا جالس في الحجر إذا أتاني رجل فسألني عن العاديات ضبحاً ، ففسرتها بالخيل فذهب إلى عليه عليه السلام وهو تحت سقاية زمزم فسأله وذكر له ما قلت ، فقال : ادعه لي فلما وقفت على رأسه ، قال : تفتي الناس بما لا علم لك به ، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد * ( والعاديات ضبحاً ) * الإبل من عرفة إلى مزدلفة ، ومن المزدلفة إلى منى ، يعني إبل الحاج ، قال ابن عباس : فرجعت عن قولي إلى قول علي عليه السلام " ويتأكد هذا القول بما روى أبي في فضل السورة مرفوعاً : " من قرأها أعطى من الأجر بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً " وعلى هذا القول : * ( فالموريات قدحاً ) * أن الحوافر ترمى بالحجر من شدة العدو فتضرب به حجراً آخر فتورى النار أو يكون المعنى الذين يركبون الإبل وهم الحجيج إذا أوقدوا نيرانهم بالمزدلفة * ( فالمغيرات ) * الإغارة سرعة السير وهم يندفعون صبيحة يوم النحر مسرعين إلى منى * ( فأثرن به نفعاً ) * يعني غباراً بالعدو وعن محم د بن كعب النقع ما بين المزدلفة إلى منى * ( فوسطن به جمعاً ) * يعني مزدلفة لأنها تسمى الجمع لاجتماع الحاج بها ، وعلى هذا التقدير ، فوجه القسم به من وجوه أحدها : ما ذكرنا من المنافع الكثيرة فيه في قوله : * ( أفلا ينظرون إلى الإبل ) * وثانيها : كأنه تعريض بالآدمي الكنود فكأنه تعالى يقول : إني سخرت مثل هذا لك وأنت متمرد عن طاعتي وثالثها : الغرض بذكر إبل الحج الترغيب في الحج ، كأنه تعالى يقول : جعلت ذلك الإبل مقسماً به ، فكيف أضيع