فخر الدين الرازي

59

تفسير الرازي

المسألة الثانية : أنه تعالى قال في صفة الأرض : * ( ألم نجعل الأرض كفاتاً ) * ثم صارت بحال ترميك وهو تقرير لقوله : * ( تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) * وقوله : * ( يوم يفر المرء ) * . * ( وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا ) * . أما قوله تعالى : * ( وقال الإنسان مالها ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : مالها تزلزل هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها ، وذلك إما عند النفخة الأولى حين تلفظ ما فيها من الكنوز والدفائن ، أو عند النفخة الثانية حين تلفظ ما فيها من الأموات . المسألة الثانية : قيل : هذا قول الكافر وهو كما يقولون : * ( من بعثنا من مرقدنا ) * فأما المؤمن فيقول : * ( هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) * وقيل : بل هو عام في حق المؤمن والكافر أي الإنسان الذي هو كنود جزوع ظلوم الذي من شأنه الغفلة والجهالة : يقول : مالها وهو ليس بسؤال بل هو للتعجب ، لما يرى من العجائب التي لم تسمع بها الآذان . ولا تطلق بها لسان ، ولهذا قال : الحسن إنه للكافر والفاجر معاً . المسألة الثالثة : إنما قال : * ( مالها ) * على غير المواجهة لأنه يعاتب بهذا الكلام نفسه ، كأنه يقول : يا نفس ما للأرض تفعل ذلك يعني يا نفس أنت السبب فيه فإنه لولا معاصيك لما صارت الأرض كذلك فالكفار يقولون : هذا الكلام والمؤمنون يقولون : * ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن ) * . * ( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ) * . أما قوله تعالى : * ( يومئذ تحدث أخبارها ) * فاعلم أن ابن مسعود قرأ : * ( تنبئ أخبارها ) * وسعيد بن جبير تنبئ ثم فيه سؤالات : الأول : أين مفعولاً تحدث ؟ الجواب : قد حذف أولهما والثاني أخبارها وأصله تحدث الخلق أخبارها إلا أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً . السؤال الثاني : ما معنى تحديث الأرض ؟ قلنا فيه وجوه : أحدها : وهو قول أبي مسلم يومئذ يتبين لكل أحد جزاء عمله فكأنها حدثت بذلك ، كقولك الدار تحدثنا بأنها كانت مسكونة فكذا انتقاض الأرض بسبب الزلزلة تحدث أن الدنيا قد انقضت وأن الآخرة قد أقبلت والثاني : وهو قول الجمهور : أن الله تعالى يجعل الأرض حيواناً عاقلاً ناطقاً ويعرفها جميع ما عمل أهلها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصي ، قال عليه السلام : " أن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل عليها " ثم تلا هذه الآية وهذا على مذهبنا غير بعيد لأن البنية عندنا ليست شرطاً لقبول الحياة ، فالأرض مع بقائها على شكلها ويبسها وقشفها يخلق الله فيها الحياة والنطق ، والمقصود كأن الأرض تشكو من العصاة