فخر الدين الرازي

42

تفسير الرازي

* ( حتى تأتيهم البينة ) * أي حتى تأتيهم رسل من ملائكة الله تتلوا عليهم صحفاً مطهرة وهو كقوله : * ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ) * وكقوله : * ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة ) * . القول الثالث : وهو قتادة وابن زيد : * ( البينة ) * هي القرآن ونظيره قوله : * ( أو لم تأتيهم بينة ما في الصحف الأولى ) * ثم قوله بعد ذلك : * ( رسول من الله ) * لا بد فيه من مضاف محذوف والتقدير : وتلك البينة وحي : * ( رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة ) * . أما قوله تعالى : * ( يتلو صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة ) * فاعلم أن الصحف جمع صحيفة وهي ظرف للمكتوب ، وفي : * ( المطهرة ) * وجوه : أحدها : * ( مطهرة ) * عن الباطل وهي كقوله : * ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ) * وقوله : * ( مرفوعة مطهرة ) * ، وثانيها : مطهرة عن الذكر القبيح فإن القرآن يذكر بأحسن الذكر ويثني عليه أحسن الثناء وثالثها : أن يقال : مطهرة أي ينبغي أن لا يمسها إلا المطهرون ، كقوله تعالى : * ( في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ) * . واعلم أن المطهرة وإن جرت نعتاً للصحف في الظاهر فهي نعت لما في الصحف وهو القرآن وقوله : * ( كتب ) * فيه قولان : * ( أحدهما ) * المراد من الكتب الآيات المكتوبة في الصحف والثاني : قال صاحب النظم : الكتب قد يكون بمعنى الحكم : * ( كتب الله لأغلبن ) * ومنه حديث العسيف : " لأقضين بينكما بكتاب الله " أي بحكم الله فيحتمل أن يكون المراد من قوله : * ( كتب قيمة ) * أي أحكام قيمة أما القيمة ففيها قولان الأول : قال الزجاج : مستقيمة لا عوج فيها تبين الحق من الباطل من قام يقوم كالسيد والميت ، وهو كقولهم : قام الدليل على كذا إذا ظهر واستقام الثاني : أن تكون القيمة بمعنى القائمة أي هي قائمة مستقلة بالحجة والدلالة ، من قولهم قام فلان بالأمر يقوم به إذا أجراه على وجهه ، ومنه يقال للقائم بأمر القوم القيم ، فإن قيل : كيف نسب تلاوة الصحف المطهرة إلى الرسول مع أنه كان أمياً ؟ قلنا : إذا تلا مثلاً المسطور في تلك الصحف كان تالياً ما فيها وقد جاء في كتاب منسوب إلى جعفر الصادق أنه عليه السلام كان يقرأ من الكتاب ، وإن كان لا يكتب ، ولعل هذا كان من معجزاته صلى الله عليه وسلم . وأما قوله تعالى : * ( وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة ) * ففيه مسائل . المسألة الأولى : في هذه الآية سؤال ، وهو أنه تعالى ذكر في أول السورة ، أهل الكتاب والمشركين ، وههنا ذكر أهل الكتاب فقط ، فما السبب فيه ؟ وجوابه : من وجوه أحدها : أن المشركين لم يقروا على دينهم فمن آمن فهو المراد ومن لم يؤمن قتل ، بخلاف أهل الكتاب الذين يقرون على كفرهم ببذل الجزية وثانيها : أن أهل الكتاب كانوا عالمين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم بسبب أنهم وجدوها في كتبهم ، فإذا وصفوا بالتفرق مع العلم كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف .