فخر الدين الرازي
40
تفسير الرازي
كتاب الله ودينه والثاني : المشركون الذين كانوا لا ينسبون إلى كتاب ، فذكر الله تعالى الجنسين بقوله : * ( الذين كفروا ) * على الإجمال ثم أردف ذلك الإجمال بالتفضل ، وهو قوله : * ( من أهل الكتاب والمشركين ) * وههنا سؤالان : السؤال الأول : تقدير الآية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ومن المشركين فهذا يقتضي أن أهل الكتاب منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، وهذا حق ، وأن المشركين منهم كافر ومنهم ليس بكافر ، ومعلوم أن ليس بحق والجواب : من وجوه أحدها : كلمة من ههنا ليست للتبعيض بل للتبيين كقوله : * ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) * وثانيها : أن الذين كفروا بمحمد عليه الصلاة والسلام ، بعضهم من أهل الكتاب ، وذلك لأن النصارى مثلثة واليهود عامتهم مشبهة ، وهذا كله شرك ، وقد يقول القائل : جاءني العقلاء والظرفاء يريد بذلك قوماً بأعيانهم يصفهم بالأمرين . وقال تعالى : * ( الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ، والحافظون لحدود ) * وهذا وصف لطائفة واحدة ، وفي القرآن من هذا الباب كثير ، وهو أن ينعت قوم بنعوت شتى ، يعطف بعضها على بعض بواو العطف ويكون الكل وصفاً لموصوف واحد . السؤال الثاني : المجوس هل يدخلون في أهل الكتاب ؟ قلنا : ذكر بعض العلماء أنهم داخلون في أهل الكتاب لقوله عليه السلام : " سنوليهم سنة أهل الكتاب " وأنكره الآخرون قال : لأنه تعالى إنما ذكر من الكفار من كان في بلاد العرب ، وهم اليهود والنصارى ، قال تعالى حكاية عنهم : * ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ) * والطائفتان هم اليهود والنصارى . السؤال الثالث : ما الفائدة في تقديم أهل الكتاب في الكفر على المشركين ؟ حيث قال : * ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ) * ؟ الجواب : أن الواو لا تفيد الترتيب ، ومع هذا ففيه فوائد أحدها : أن السورة مدنية فكأن أهل الكتاب هم المقصودون بالذكر وثانيها : أنهم كانوا علماء بالكتب فكانت قدرتهم على معرفة صدق محمد أتم ، فكان إصرارهم على الكفر أقبح وثالثها : أنهم لكونهم علماء يقتدي غيرهم بهم فكان كفرهم أصلاً لكفر غيرهم ، فلهذا قدموا في الذكر ورابعها : أنهم لكونهم علماء أشرف من غيرهم فقدموا في الذكر . السؤال الرابع : لم قال من أهل الكتاب ، ولم يقل من اليهود والنصارى ؟ الجواب : لأن قوله : * ( من أهل الكتاب ) * يدل على كونهم علماء ، وذلك يقتضي إما مزيد تعظيم ، فلا جرم ذكروا بهذا اللقب دون اليهود والنصارى ، أو لأن كونه عالماً يقتضي مزيد قبح في كفره ، فذكروا بهذا الوصف تنبيهاً على تلك الزيادة من العقاب .