فخر الدين الرازي

33

تفسير الرازي

الملائكة لهم كثرة عظيمة لا تحتمل كلهم الأرض ، فلهذا السبب اختلفوا فقال بعضهم : إنها تنزل بأسرها إلى السماء الدنيا ، فإن قيل الإشكال بعد باق لأن السما مملوءة بحيث لا يوجد فيها موضع إهاب إلا وفيه ملك ، فكيف تسع الجميع سماء واحدة ؟ قلنا : يقضي بعموم الكتاب على خبر الواحد ، كيف والمروي إنهم ينزلون فوجاً فوجاً فمن نازل وصاعد كأهل الحج فإنهم على كثرتهم يدخلون الكعبة بالكلية لكن الناس بين داخل وخارج ، ولهذا السبب مدت إلى غاية طلوع الفجر فلذلك ذكر بلفظ : * ( تنزل ) * الذي يفيد المرة بعد المرة . والقول الثاني : وهو اختيار الأكثرين أنهم ينزلون إلى الأرض وهو الأوجه ، لأن الغرض هو الترغيب في إحياء هذه الليلة ، ولأنه دلت الأحاديث على أن الملائكة ينزلون في سائر الأيام إلى مجالس الذكر والدين ، فلأن يحصل ذلك في هذه الليلة مع علو شأنها أولى ، ولأن النزول المطلق لا يفيد إلا النزول من السماء إلى الأرض ، ثم اختلف من قال : ينزلون إلى الأرض على وجوه : أحدها : قال بعضهم : ينزلون ليروا عبادة البشر وحدهم واجتهادهم في الطاعة وثانيها : أن الملائكة قالوا : * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * فهذا يدل على أنهم كانوا مأمورين بذلك النزول فلا يدل على غاية المحبة . وأما هذه الآية وهو قوله : * ( بإذن ربهم ) * فإنها تدل على أنهم استأذنوا أولاً فأذنوا ، وذلك يدل على غاية المحبة ، لأنهم كانوا يرغبون إلينا ويتمنون لقاءنا . لكن كانوا ينتظرون الإذن ، فإن قيل قوله : * ( وإنا لنحن الصافون ) * ينافي قوله : * ( تنزل الملائكة ) * قلنا نصرف الحالتين إلى زمانين مختلفين وثالثها : أنه تعالى وعد في الآخرة أن الملائكة : * ( يدخلون عليهم من كل باب ، سلام عليكم ) * فههنا في الدنيا إن اشتغلت بعبادتي نزلت الملائكة عليك حتى يدخلوا عليك للتسلم والزيارة ، روى عن علي عليه السلام : " أنهم ينزلون ليسلموا علينا وليشفعوا لنا فمن أصابته التسليمة غفر له ذنبه " ورابعها : أن الله تعالى جعل فضيلة هذه الليلة في الاشتغال بطاعته في الأرض فهم ينزلون إلى الأرض لتصير طاعاتهم أكثر ثواباً ، كما أن الرجل يذهب إلى مكة لتصير طاعته هناك أكثر ثواباً ، وكل ذلك ترغيب للإنسان في الطاعة وخامسها : أن الإنسان يأتي بالطاعات والخيرات عند حضور الأكابر من العلماء والزهاد أحسن مما يكون في الخلوة ، فالله تعالى أنزل الملائكة المقربين حتى أن المكلف يعلم أنه إنما يأتي بالطاعات في حضور أولئك العلماء العباد الزهاد فيكون أتم وعن النقصان أبعد وسادسها : أن من الناس من خص لفظ الملائكة ببعض فرق الملائكة ، عن كعب أن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة مما يلي الجنة ، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة ، وساقها في الجنة وأغصانها تحت الكرسي فيها ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله يعبدون الله ومقام جبريل في وسطها ، ليس فيها ملك إلا وقد أعطى الرأفة والرحمة للمؤمنين ينزلون مع جبريل ليلة القدر ، فلا تبقى بقعة من الأرض إلا وعليها ملك ساجد أو قائم يدعو للمؤمنين والمؤمنات ، وجبريل لا يدع أحداً من الناس إلا صافحهم ، وعلامة ذلك من اقشعر جلده