فخر الدين الرازي

27

تفسير الرازي

سورة القدر خمس آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) * . * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أجمع المفسرون على أن المراد : إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر ، ولكنه تعالى ترك التصريح بالذكر ، لأن هذا التركيب يدل على عظم القرآن من ثلاثة أوجه أحدها : أنه أسند إنزاله إليه وجعله مختصاً به دون غيره والثاني : أنه جاء بضميره دون اسمه الظاهر . شهادة له بالنباهة والاستغناء عن التصريح ، ألا ترى أنه في السورة المتقدمة لم يذكر اسم أبي جهل ولم يخف على أحد لاشتهاره ، وقوله : * ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) * لم يذكر الموت لشهرته ، فكذا ههنا والثالث : تعظيم الوقت الذي أنزل فيه . المسألة الثانية : أنه تعالى قال في بعض المواضع : * ( إني ) * كقوله : * ( إني جاعل في الأرض خليفة ) * وفي بعض المواضع * ( إنا ) * كقوله : * ( إنا أنزلنا في ليلة القدر ) * . * ( إنا نحن نزلنا الذكر ) * ، * ( إنا أرسلنا نوحاً ) * ، * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * . وأعلم أن قوله : * ( إنا ) * تارة يراد به التعظيم ، وحمله على الجمع محال لأن الدلائل دلت على وحدة الصانع ، ولأنه لو كان في الآلهة كثرة لانحطت رتبة كل واحد منهم عن الإلهية ، لأنه لو كان كل واحد منهم قادراً على الكمال لاستغنى بكل واحد منهم عن كل واحد منهم ، وكونه مستغنى عنه نقص في حقه فيكون الكل ناقصاً ، وإن لم يكن كل واحد منهم قادراً على الكمال كان ناقصاً ، فعلمنا أن قوله : * ( إنا ) * محمول على التعظيم لا على الجمع . المسألة الثالثة : إن قيل : ما معنى إنه أنزل في ليلة القدر ، مع العلم بأنه أنزل نجوماً ؟ قلنا فيه وجوه : أحدهما : قال الشعبي : ابتداء بإنزاله ليلة القدر لأن البعث كان في رمضان والثاني : قال ابن عباس : أنزل إلى سماء الدنيا جملة ليلة القدر ، ثم إلى الأرض نجوماً ، كما قال : * ( فلا أقسم بمواقع النجوم ) * وقد ذكرنا هذه المسألة في قوله : * ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) * لا يقال : فعلى هذا القول لم لم يقل : أنزلناه إلى السماء ؟ لأن إطلاقه يوهم الإنزال إلى الأرض ، لأنا نقول : إن إنزاله إلى السماء كإنزاله إلى الأرض ، لأنه لم يكن ليشرع في أمر ثم لا يتمه ، وهو كغائب جاء إلى نواحي البلد