فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
وصوم التطوع وزوجته عن الاعتكاف ، لأن ذلك لاستيفاء مصلحته بإذن ربه لا بغضاً لعبادة ربه . * ( كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) * . ثم قال تعالى : * ( كلا ) * وفيه وجوه أحدها : أنه ردع لأبي جهل ومنه له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات وثانيها : كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمداً أو يطأ عنقه ، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره وثالثها : قال مقاتل : كلا لا يعلم أن الله يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم . ثم قال تعالى : * ( لئن لم ينته ) * أو عما هو فيه : * ( لنسفعاً بالناصية ، ناصية كاذبة خاطئة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في قوله : * ( لنسفعاً ) * وجوه أحدها : لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء ، وجذبه بشدة ، وهو كقوله : * ( فيؤخذ بالنواصي والأقدام ) * وثانيها : السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه وثالثها : لنسودن وجهه ، قال الخليل : تقول للشيء إذا لفحته النار لفحاً يسيراً يغير لون البشرة قد سفعته النار ، قال : والسفع ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر سميت بذلك لسوادها ، قال : والسفعة سواد في الخدين . وبالجملة فتسويد الوجه علامة الإذلال والإهانة ورابعها : لنسمنه قال ابن عباس في قوله : * ( سنسمه على الخرطوم ) * إنه أبو جهل خامسها : لنذلنه . المسألة الثانية : قرىء لنسفعن بالنون المشددة ، أي الفاعل لهذا الفعل هو الله والملائكة ، كما قال : * ( فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين ) * وقرأ ابن مسعود لأسعفن ، أي يقول الله تعالى يا محمد . أنا الذي أتولى إهانته ، نظيره : * ( هو الذي أيدك ) * ، * ( هو الذي أنزل السكينة ) * . المسألة الثالثة : هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في الآخرة وأن يكون المراد منه في الدنيا ، وهذا أيضاً على وجوه أحدها : ما روى أن أبا جهل لما قال : إن رأيته يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر لله ساجداً في آخرها ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه ، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعاً ، فقيل له مالك ؟ قال : إن بيني وبينه فحلاً فاغراً فاه لو مشيت إليه لالتقمني ، وقيل : كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد والثاني : أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي ، فلما عاد لا جرم مكنهم الله تعالى من ناصيته يوم بدر ، روى أنه لما نزلت سورة الرحمن * ( علم القرآن ) * قال عليه السلام : لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال : أنا يا رسول الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال : من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثاً كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر