فخر الدين الرازي

177

تفسير الرازي

على معرفة الذات ، فكانت هذه السورة معادلة لثلث القرآن ، وأما سورة : * ( قل يا أيها الكافرون ) * فهي معادلة لربع القرآن ، لأن المقصود من القرآن إما الفعل وإما الترك وكل واحد منهما فهو إما في أفعال القلوب وإما في أفعال الجوارح فالأقسام أربعة ، وسورة : * ( قل يا أيها الكافرون ) * لبيان ما ينبغي تركه من أفعال القلوب ، فكانت في الحقيقة مشتملة على ربع القرآن ، ومن هذا السبب اشتركت السورتان أعني : * ( قل يا أيها الكافرون ) * ، و : * ( قل هو الله أحد ) * في بعض الأسامي فهما المقشقشتان والمبرئتان ، من حيث إن كل واحدة منهما تقيد براءة القلب عما سوى الله تعالى ، إلا أن : * ( قل يا أيها الكافرون ) * يفيد بلفظه البراءة عما سوى الله وملازمة الاشتغال بالله و : * ( قل هو الله أحد ) * يفيد بلفظه الاشتغال بالله وملازمة الإعراض عن غير الله أو من حيث إن : * ( قل يا أيها الكافرون ) * تفيد براءة القلب عن سائر المعبودين سوى الله ، و : * ( قل هو الله أحد ) * تفيد براءة المعبود عن كل مالا يليق به الوجه الثاني : وهو أن ليلة القدر لكونها صدقاً للقرآن كانت خيراً من ألف شهر فالقرآن كله صدف والدر هو قوله : * ( قل هو الله أحد ) * فلا جرم حصلت لها هذه الفضيلة الوجه الثالث : وهو أن الدليل العقلي دل على أن أعظم درجات العبد أن يكون قلبه مستنيراً بنور جلال الله وكبريائه ، وذلك لا يحصل إلا من هذه السورة ، فكانت هذه السورة أعظم السور ، فإن قيل : فصفات الله أيضاً مذكورة في سائر السور ، قلنا : لكن هذه السورة لها خاصية وهي أنها لصغرها في الصورة تبقى محفوظة في القلوب معلومة للعقول فيكون ذكر جلال الله حاضراً أبداً بهذا السبب ، فلا جرم امتازت عن سائر السور بهذه الفضائل وليرجع الآن إلى التفسير . قوله تعالى : * ( قل هو الله أحد ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن معرفة الله تعالى جنة حاضرة إذا لجنة أن تنال ما يوافق عقلك وشهوتك ، ولذلك لم تكن الجنة جنة لآدم لما نازع عقله هواه ، ولا كان القبر سجناً على المؤمن لأنه حصل له هناك ما يلائم عقله وهواه ، ثم إن معرفة الله تعالى مما يريدها الهوى والعقل ، فصارت جنة مطلقة ، وبيان ما قلنا : أن العقل يريد أميناً تودع عنده الحسنات ، والشهوة تريد غنياً يطلب منه المستلذات ، بل العقل كالإنسان الذي له همة عالية فلا ينقاد إلا لمولاه ، والهوى كالمنتجع الذي إذا سمع حضور غني ، فإنه ينشط للانتجاع إليه ، بل العقل يطلب معرفة المولى ليشكر له النعم الماضية والهوى يطلبها ليطمع منه في النعم المتربصة ، فلما عرفاه كما أراده عالماً وغنياً تعلقا بذيله ، فقال العقل : لا أشكر أحداً سواك ، وقالت الشهوة : لا أسأل أحداً إلا إياك ، ثم جاءت الشبهة فقالت : يا عقل كيف أفردته بالشكر ولعل له مثلاً ؟ ويا شهوة كيف اقتصرت عليه ولعل ههنا باباً آخر ؟ فبقي العقل متحيراً وتنغصت عليه تلك الراحة ، فأراد أن يسافر في عالم الاستدلال ليفوز بجوهرة اليقين فكأن الحق سبحانه قال : كيف أنغص على عبدي لذة الاشتغال بخدمتي وشكري ، فبعث الله رسوله وقال : لا تقله من عند نفسك ، بل قل هو الذي عرفته صادقاً