فخر الدين الرازي

164

تفسير الرازي

المسألة التاسعة : الصحابة اتفقوا على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم روى أن العباس عرف ذلك وبكى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما يبكيك فقال : نعيت إليك نفسك فقال : الأمر كما تقول ، وقيل : إن ابن عباس هو الذي قال ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : " لقد أوتي هذا الغلام علماً كثيراً " روى أن عمر كان يعظم ابن عباس ويقربه ويأذن له مع أهل بدر ، فقال عبد الرحمن : أتأذن لهذا الفتى معنا ، وفي أبنائنا من هو مثله ؟ فقال : لأنه ممن قد علمتم قال ابن عباس : فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله : * ( إذا جاء نصر الله ) * وكأنه ما سألهم إلا من أجلي فقال بعضهم : أمر الله نبيه إذا فتح أن يستغفره ويتوب إليه ، فقلت : ليس كذلك ولكن نعيت إليه نفسه فقال عمر : ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم ، ثم قال : كيف تلومونني عليه بعدما ترون ، وروى أنه لما نزلت هذه السورة خطب وقال : " إن عبداً خيره الله بين الدنيا وبين لقائه والآخرة فاختار لقاء الله " فقال السائل : وكيف دلت هذه السورة على هذا المعنى ؟ الجواب : من وجوه أحدها : قال بعضهم : إنما عرفوا ذلك لما روينا أن الرسول خطب عقيب السورة وذكر التخيير وثانيها : أنه لما ذكر حصول النصر والفتح ودخول الناس في الدين أفواجاً دل ذلك على حصول الكال والتمام ، وذلك يعقبه الزوال كما قيل : إذا تم شيء دنا نقصه توقع زوالاً إذا قيل تم وثالثها : أنه أمره بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقاً واشتغاله به يمنعه عن الاشتغال بأمر الأمة فكان هذا كالتنبيه على أن أمر التبليغ قد تم وكمل ، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك لكان كالمعزول عن الرسالة وأنه غير جائز ورابعها : قوله : * ( واستغفره ) * تنبيه على قرب الأجل كأنه يقول قرب الوقت ودنا الرحيل فتأهب للأمر ، ونبهه به على أن سبيل العاقل إذا قرب أجله أن يستكثر من التوبة وخامسها : كأنه قيل له : كان منتهى مطلوبك في الدنيا هذا الذي وجدته ، وهو النصر والفتح والاستيلاء ، والله تعالى وعدك بقوله : * ( والآخرة خير لك من الأولى ) * فلما وجدت أقصى مرادك في الدنيا فانتقل إلى الآخرة لتفوز بتلك السعادات العالية . المسألة العاشرة : ذكرنا أن الأصح هو أن السورة نزلت قبل فتح مكة . وأما الذين قالوا : إنها نزلت بعد فتح مكة ، فذكر الماوردي أنه عليه السلام لم يلبث بعد نزول هذه السورة إلا ستين يوماً مستديماً للتسبيح والاستغفار ، وقال مقاتل : عاش بعدها حولاً ونزل : * ( اليوم أكملت لكم دينكم ) * فعاش بعده ثمانين يوماً ثم نزل آية الكلالة ، فعاش بعدها خمسين يوماً ، ثم نزل : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً ثم نزل : * ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) * فعاش بعدها أحد عشر يوماً وفي رواية أخرى عاش بعدها سبعة أيام ، والله أعلم كيف كان ذلك .