فخر الدين الرازي
155
تفسير الرازي
قصة فتح مكة ، والمشهور عند المفسرين أن المراد من الفتح في هذه السورة هو فتح مكة ، ومما يدل على أن المراد بالفتح فتح مكة أنه تعالى ذكره مقروناً بالنصر . وقد كان يجد النصر دون الفتح كبدر ، والفتح دون النصر كإجلاء بني النضير ، فإنه فتح البلد لكن لم يأخذ القوم ، أما يوم فتح مكة اجتمع له الأمران النصر والفتح ، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني : أن المراد فتح خيبر ، وكان ذلك على يد علي عليه السلام ، والقصة مشهورة ، روى أن استصحب خالد بن الوليد ، وكان يساميه في الشجاعة ، فلما نصب السلم قال لخالد : أتتقدم ؟ قال : لا ، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت ؟ فقال : لا أدري لشدة الخوف ، وروى أنه قال : لعلي عليه السلام ألا تصارعني ، فقال : ألست صرعتك ؟ فقال : نعم لكن ذاك قبل إسلامي ، ولعل علياً عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي ، أو كان علي يقول صرعتك حين كنت كافراً ، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث : أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع : المراد النصر على الكفار ، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق ، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس : أراد بالفتح ما فتح الله عليه من العلوم ، ومنه قوله : * ( وقل رب زدني علماً ) * لكن حصول العلم لا بد وأن يكون مسبوقاً بانشراح الصدر وصفاء القلب ، وذلك هو المراد من قوله : * ( إذا جاء نصر الله ) * ويمكن أن يكون المراد بنصر الله إعانته على الطاعة والخيرات ، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات . المسألة الثانية : إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان : أحدهما : أن فتح مكة كان سنة ثمان ، ونزلت هذه السورة سنة عشر ، وروى أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوماً ، ولذلك سميت سورة التوديع والقول الثاني : أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة ، وهو وعد لرسول الله أن ينصره على أهل مكة ، وأن يفتحها عليه ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) * وقوله : * ( إذا جاء نصر الله والفتح ) * يقتضي الاستقبال ، إذ لا يقال فيما وقع : إذا جاء وإذا وقع ، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقاً له ، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل : لم ذكر النصر مضافاً إلى الله تعالى ، وذكر الفتح بالألف واللام ؟ الجواب : الألف واللام للمعهود السابق ، فينصرف إلى فتح مكة . * ( وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً ) * . قوله تعالى : * ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : رأيت يحتمل أن يكون معناه أبصرت ، وأن يكون معناه علمت ، فإن كان معناه أبصرت كان يدخلون في محل النصب على الحال ، والتقدير : ورأيت الناس حال دخولهم