فخر الدين الرازي

149

تفسير الرازي

سورة النصر وهي ثلاث آيات مدنية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ) * . * ( إذا جاء نصر الله ) * في الآية لطائف : إحداها : أنه تعالى لما وعد محمداً بالتربية العظيمة بقوله : * ( ولسوف يعطيك ربك فترضى ) * وقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * لا جرم كان يزداد كل يوم أمره ، كأنه تعالى قال : يا محمد لم يضيق قلبك ، ألست حين لم تكن مبعوثاً لم أضيعك بل نصرتك بالطير الأبابيل ، وفي أول الرسالة زدت فجعلت الطير ملائكة ألن يكفيكم : * ( أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف ) * ثم الآن أزيد فأقول إني أكون ناصراً لك بذاتي : * ( إذا جاء نصر الله ) * فقال : إلهي إنما تتم النعمة إذا فتحت لي دار مولدي ومسكني فقال : * ( والفتح ) * فقال : إلهي لكن القوم إذا خرجوا ، فأي لذة في ذلك فقال : * ( ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ) * ثم كأنه قال : هل تعلم يا محمد بأي سبب وجدت هذه التشريفات الثلاثة إنما وجدتها لأنك قلت في السورة المتقدمة : * ( يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ) * وهذا يشتمل على أمور ثلاثة أولها : نصرتني بلسانك فكان جزاؤه : * ( إذا جاء نصر الله ) * وثانيها : فتحت مكة قلبك بعسكر التوحيد فأعطيناك فتح مكة وهو المراد من قوله ، والفتح والثالث : أدخلت رعية جوارحك وأعضائك في طاعتي وعبوديتي فأنا أيضاً أدخلت عبادي في طاعتك ، وهو المراد من قوله : * ( يدخلون في دين الله أفواجاً ) * ثم إنك بعد أن وجدت هذه الخلع الثلاثة فابعث إلى حضرتي بثلاث أنواع من العبودية تهادوا تحابوا ، إن نصرتك فسبح ، وإن فتحت مكة فاحمد وإن أسلموا ، فاستغفر ، وإنما وضع في مقابلة : * ( نصر الله ) * تسبيحه ، لأن التسبيح هو تنزيه الله عن مشابهة المحدثات ، يعني تشاهد أنه نصرك ، فإياك أن تظن أنه إنما نصرك لأنك تستحق منه ذلك النحر ، بل اعتقد كونه منزهاً عن أن يستحق عليه أحد من الخلق شيئاً ، ثم جعل في مقابل فتح مكة الحمد لأن النعمة لا يمكن أن تقابل إلا بالحمد ، ثم جعل في مقابلة دخول الناس في الدين الاستغفار وهو المراد من قوله : * ( واستغفر لذنبك ، وللمؤمنين والمؤمنات ) * أي كثرة الأتباع مما يشغل