فخر الدين الرازي

147

تفسير الرازي

الجواب : كأنه يقول : إني قد بالغت في تحذيركم على هذا الأمر القبيح ، وما قصرت فيه ، فإن لم تقبلوا قولي ، فاتركوني سواء بسواء . السؤال الثالث : لما كان التكرار لأجل التأكيد والمبالغة فكان ينبغي أن يقول : لن أعبد ما تعبدون ، لأن هذا أبلغ ، ألا ترى أن أصحاب الكهف لما بالغوا قالوا : * ( لن ندعو من دونه إلهاً ) * والجواب : المبالغة إنما يحتاج إليها في موضع التهمة ، وقد علم كل أحد من محمد عليه السلام أنه ما كان يعبد الصنم قبل الشرع ، فكيف يعبده بعد ظهور الشرع ، بخلاف أصحاب الكهف فإنه وجد منهم ذلك فيما قبل . * ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ) * . أما قوله تعالى : * ( لكم دينكم ولي دين ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : قال ابن عباس : لكم كفركم بالله ولي التوحيد والإخلاص له ، فإن قيل : فهل يقال : إنه أذن لهم في الكفر قلنا : كلا فإنه عليه السلام ما بعث إلا للمنع من الكفر فكيف يأذن فيه ، ولكن المقصود منه أحد أمور أحدها : أن المقصود منه التهديد ، كقوله اعملوا ما شئتم وثانيها : كأنه يقول : إني نبي مبعوث إليكم لأدعوكم إلى الحق والنجاة ، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فاتركوني ولا تدعوني إلى الشرك وثالثها : * ( لكم دينكم ) * فكونوا عليه إن كان الهلاك خيراً لكم * ( ولي ديني ) * لأني لا أرفضه القول الثاني : في تفسير الآية أن الدين هو الحساب أي لكم حسابكم ولي حسابي ، ولا يرجع إلى كل واحد منا من عمل صاحبه أثر البتة القول الثالث : أن يكون على تقدير حذف المضاف أي لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني وحسبهم جزاء دينهم وبالاً وعقاباً كما حسبك جزاء دينك تعظيماً وثواباً القول الرابع : الدين العقوبة : * ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله يعني الحد ، فلكم العقوبة من ربي ، ولي العقوبة من أصنامكم ، لكن أصنامكم جمادات ، فأنا لا أخشى عقوبة الأصنام ، وأما أنتم فيحق لكم عقلاً أن تخافوا عقوبة جبار السماوات والأرض ) * القول الخامس : الدين الدعاء ، فادعوا الله مخلصين له الدين ، أي لكم دعاؤكم * ( وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) * * ( وإن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ) * ثم ليتها تبقى على هذه الحالة فلا يضرونكم ، بل يوم القيامة يجدون لساناً فيكفرون بشرككم ، وأما ربي فيقول : * ( ويستجيب الذين آمنوا ) * * ( ادعوني أستجب لكم ) * * ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) * القول السادس : الدين العادة ، قال الشاعر : يقول لها وقد دارت وضينيأ هذا دينها أبدأ وديني معناه لكم عادتكم المأخوذة من أسلافكم ومن الشياطين ، ولي عادتي المأخوذة من الملائكة والوحي ، ثم يبقى كل واحد منا على عادته ، حتى تلقوا الشياطين والنار ، وألقى الملائكة والجنة .