فخر الدين الرازي
136
تفسير الرازي
سورة الكافرون ست آيات مكية اعلم أن هذه السورة تسمى سورة المنابذة وسورة الإخلاص والمقشقشة ، وروى أن من قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن ، والوجه فيه أن القرآن مشتمل على الأمر بالمأمورات والنهي عن المحرمات ، وكل واحد منهما ينقسم إلى ما يتعلق بالقلوب وإلى ما يتعلق بالجوارح وهذه السورة مشتملة على النهي عن المحرمات المتعلقة بأفعال القلوب فتكون ربعاً للقرآن والله أعلم . بسم الله الرحمن الرحيم * ( قُلْ يا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) * . * ( قل يا أيها الكافرون ) * . اعلم أن قوله تعالى : * ( قل ) * فيه فوائد : أحدها : أنه عليه السلام كان مأموراً بالرفق واللين في جميع الأمور كما قال : * ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فبما رحمة من الله لنت لهم ، بالمؤمنين رؤوف رحيم ، وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) * ثم كان مأموراً بأن يدعو إلى الله بالوجه الأحسن : * ( وجاد لهم بالتي هي أحسن ) * ولما كان الأمر كذلك ، ثم إنه خاطبهم بيا أيها الكافرون فكانوا يقولون : كيف يليق هذا التغليظ بذلك الرفق فأجاب بأني مأمور بهذا الكلام لا أني ذكرته من عند نفسي فكان المراد من قوله : قل تقرير هذا المعنى وثانيها : أنه لما قيل له : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) * وهو كان يحب أقرباءه لقوله : * ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى ) * فكانت القرابة ووحدة النسب كالمانع من إظهار الخشونة فأمر بالتصريح بتلك الخشونة والتغليظ فقيل له : * ( قل ) * ، وثالثها : أنه لما قيل له : * ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) * فأمر بتبليغ كل من أنزل عليه فلما قال الله تعالى له : * ( قل يا أيها الكافرون ) * نقل هو عليه السلام هذا الكلام بجملته كأنه قال : إنه تعالى أمرني بتبليغ كل ما أنزل علي والذي أنزل علي هو مجموع قوله : * ( قل يا أيها الكافرون ) * فأنا أيضاً أبلغه إلى الخلق هكذا ورابعها : أن الكفار كانوا مقرين بوجود الصانع ، وأنه هو الذي خلقهم ورزقهم ، على ما قال